أرشيف ‘مختارات’ التصنيف

إشكالية حكم الأغلبية في النظام الديموقراطي

يونيو 25, 2009
بعض الإشكالات المرتبطة بتطبيق الديموقراطية

أحمد الريسوني

خاص – من كتابة وحي القلم

الإشكال: أن الديموقراطية التي تحكم الأغلبية وتجعل الأغلبية مشرعة “تحلل وتحرم” –باستعمال المصطلح الشرعي- يمكن أن تحل ما حرم الله وأن تحرم ما أحل الله، وأن تلغي ما أوجب الله، وأن تفرض ما لم ينزل الله به سلطانًا. بمعنى أننا ننصب الأغلبية شارعة أو مشرعة حاكمة. وكما يذهب البعض إلى درجة أنه يقول: كيف إذا حكمت الأغلبية بإباحة الخمر أو الزنا مثلًا… الخ.

الجواب عن الإشكال:

أولًا:إن الأغلبية – على الأقل في العالم الإسلامي- ستقف دائما وأبدا مع الإسلام ومع إي حكم إسلامي ثابت يقول به العلماء ويوضحونه وينادون به، هذا من الناحية الواقعية. وإلا فمن لديه شك فليأتنا بعكسه. فقد أكدت التجارب أنه حيثما أعطيت حرية الاختيار في العالم الإسلامي إلا وكان الاختيار يتجدد ويتجذر لصالح الإسلام، ويمكننا أن نتحدى أي حاكم في العالم الإسلامي وفي غير الإسلامي، أي سياسي وأي لائكي وأي إسلامي أيضًا نتحداه أن نجرب ونستفتي الناس في حكم بعينه أو في مجموع الأحكام، كأن نقوم باستفتاء مثلا في مسألة تطبيق الشريعة، فإذا كان استفتاء حرا حقيقيًا بدون إشهار وبدون حملة انتخابية، أو إذا جربنا استفتاء في وسط الذين يعملون بالربا في مسألة تغيير النظام الربوي بنظام آخر لا ربوي، أو مسألة التبرج في وسط النساء إذا سألن عن رأيهن في إلغاء التبرج… فالواقع يشهد أنه في العالم الإسلامي حيثما استفتينا الناس فإن أغلبية الناس ستكون مع الإسلام بالجملة أو بالتفصيل. ويزدد هذا الأمر يقينية في الأحكام المعروفة والمشهورة والمنصوصة من الدين، ومن قال غير هذا فنحن نرفع التحدي على صعيد العالم الإسلامي كله.

ثانيًَا:لنفترض جدلًا، من باب [ لئن أشركت ليحبطن عملك ] ونقول: لو أن أغلبية شعب أو قطر إسلامي رفضت شيئًا من الإسلام أو أقرت شيئًا يخالف الإسلام. هذا الأمر –في الحقيقة- في غاية الأهمية؛ لأنه سيفتح أعيننا لو وقع على الحقيقة المرة التي يجب أن نعالجها؛ لأن الإسلام قبل أن يكون دولة ونفوذًا وسلطة، قبل ذلك هو قناعة واختيار وتعبد وتدين، فإذا افترضنا أنه في قطر من الأقطار الإسلامية بلغ الإبعاد والابتعاد عن الدين، والجهل بمقتضياته وضعف التدين وتفشي التروع اللاديني إلى درجة أن يرفض الناس الشريعة جملة أو يرفضوا شيئًا من أحكامها، فهذا في الحقيقة اكتشاف خطير؛ لأن فائدة الديموقراطية في هذه الحالة هي أنها عرفتنا على حقيقة الأمور، حتى لا نبقى –نحن المؤمنين بهذه الأحكام- من المخدوعين، ونعرف إلى أي درجة انحط التدين، وهذه الفرصة الوحيدة للعلاج، فكيف نعالج واقعًا نحن لا نعرفه، فيهمنا أن نطرح هذا التحدي كي نستفيد منه، ونكون مسرورين –ليس بوجود هذه الحقيقة- بل باكتشافها، أي بمعرفة الواقع كما هو.

ثم يجب أن نعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين طبق الإسلام في مجتمع المدينة، التطبيق التشريعي الكامل، كانت المدينة قد أصبحت في عمومها وفي أغلبيتها في عقيدة الإسلام وتحت سلطة الإسلام، السلطة المعنوية والقلبية والروحية، وقبل ذلك لم يطبق الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام تطبيقًا عاما ملزما، فلم يحاول أن يطبقه على أهل مكة. لقد عاش المسلمون في الحبشة ولم يطالبوا النجاشي بأن يطبق الإسلام ويحكم بالإسلام بالرغم من أنه أسلم وكان في إسلامه نوع من الخفاء ولم يعلنه صراحة إلا الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن مات النجاشي، فيمكن أن يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطبق الإسلام في مكة؛ لأنه لم تكن لديه القدرة المادية. لكن النجاشي كان صاحب سلطة، ولكن أغلبية الناس ليسوا على الإسلام، فكيف يطبقه عليهم وهم لا يؤمنون به. وأي شيء أفسد للإسلام وأكثر تشويهًا له من أن يلزم ناس بتطبيقه وهم لا يؤمنون به. فإذا افترضنا أن مجتمعًا إسلاميًا اختار غير الإسلام شريعة أو اختار من الإسلام أمورًا ورفض أمورًا أخرى، فإن العمل حينئذ ليس هو إلزام الناس وإكراههم وتطبيق هذا الإسلام الذي تفلتوا منه، بل الحل هو إقناع الناس وإعادتهم إلى رشدهم وفهمه وإلى تصحيح علمهم ومعرفتهم بالإسلام، وبعد ذلك نأتي إلى التطبيق، فلا نتصور أنه من الصواب تطيق الإسلام على قوم أغلبيتهم يرفضونه أو يرفضون شيئًا منه. وهذا الافتراض يكون أقرب إلى المعقولية في الرفض الجزئي. ويمكن أن يتصور في أمور من الدين الناس متعرضون للتضليل والتجهيل. فخير لنا أن نعرف هذه الحقائق ثم نصلحها من أن نتمادى حينئذ في المطالبة بتطبيق شيء على ناس يجهلونه ويرفضونه وابتعدوا عنه لسبب من الأسباب.

وبغض النظر عن هذا الافتراض، فالعالم الإسلامي الذي شعوبه مسلمة بنسبة كبيرة جدًا أو بنسبة كاملة، يستحيل عمليًا إذا أعطيت الحرية الحقيقية للناس وللممثلين الحيقيقيين للناس أن يختاروا أو يبتغوا غير الإسلام دينًا وشريعة، ولن يكون هذا إلا أقرب طريق إلى تطبيق الإسلام وإقامته.
المصدر كتاب “الأمة هي الأصل”.

لأن الشعوب لها حسابها

يونيو 8, 2009

لأن الشعوب لها حساب
2009-06-07

فهمي هويدي

أرادت ملكة إسبانيا أن تزور شقيقها في لندن (ملك اليونان السابق قسطنطين) بعدما أجرى عملية جراحية في القلب. فاستقلت مع مرافقيها إحدى الطائرات منخفضة التكلفة في ذهابها وإيابها، وتكلفت تذكرة النفر منهم 35 دولارا. وقالت صحيفة «بريوديكو» نقلا عن مصادر القصر الملكي إن التذاكر المخفضة كانت الخيار الأفضل للملكة صوفيا لأنها أوفر، وأن أفراد الأسرة الملكية يستخدمون الرحلات الجوية العادية في سفرياتهم الخاصة شأنهم في ذلك شأن بقية المواطنين، باستثناء الملك خوان كارلوس الذي عادة ما يسافر بطائرة عسكرية.

وحين قرر الرئيس أوباما أن يفي بوعد قطعه لزوجته ميشيل خلال حملته الانتخابية باصطحابها إلى برودواى لمشاهدة أحد العروض المسرحية هناك، فإنه استقل طائرة عسكرية صغيرة إلى نيويورك، وهناك تناول العشاء في أحد المطاعم ثم ذهب إلى المسرح، وعاد أدراجه بعد ذلك إلى البيت الأبيض (في واشنطن). لكنه لم يهنأ بما فعل، إذ استغل الجمهوريون المناسبة واتهموه بأنه يستمتع بوقته رغم المصاعب التي تواجه الاقتصاد الأمريكي. وأصدرت اللجنة الوطنية الجمهورية بيانا قالت فيه إنه: في حين كان الرئيس أوباما يستعد للسفر إلى حي المسارح في مانهاتن لمشاهدة عرض مسرحى كانت شركة جنرال موتورز تستعد لإعلان إفلاسها، وتستمر عائلات عديدة في الولايات المتحدة في معاناتها لتتمكن من تسديد فواتيرها.


تصرف ملكة إسبانيا والرئيس الأمريكي يعد من الأخبار العادية التي تنشرها الصحف دون أن يكون لها صدى سياسي يذكر. حتى النقد الذي تعرض له الرئيس أوباما لا يبدو أمرا شاذا، سواء فيما صدر عن الجمهوريين، أو فيما خص الإيضاح الذى أصدره وشرح للرأي العام فيه حقيقة ما جرى بالضبط. إلا أن ما جرى فى بريطانيا مشهد مختلف تماما، أحدث زلزالا في الحياة السياسية، وأدى إلى استقالة رئيس البرلمان، كما أطاح برءوس تسعة وزراء حتى الآن.


الحكاية أفاضت فيها الصحف خلال الأسبوعين الأخيرين، وكانت صحيفة «ديلى تلجراف» هى التي أطلقت شرارتها، حين نشرت بيانا بالمصروفات التي تقاضاها الوزراء والنواب من الميزانية عن غير حق. إذ أساءوا استخدام صلاحية وفرها لهم القانون تمكنهم من تغطية بعض النفقات الشخصية والمنزلية لتوفير الاستقرار المناسب لهم. وهى تتراوح بين ترتيب حديقة البيت أو ترميمه أو استئجار وفرش بيوت للقادمين من خارج لندن. وقد تراوحت المبالغ التي حصلها هؤلاء بين 500 جنيه إسترلينى وخمسة آلاف. وهى مبالغ استهولها الشعب البريطاني، ليس لقيمتها المادية، ولكن لدلالتها المعنوية. ذلك أن النواب والوزراء حين حصلوا تلك المبالغ بغير وجه حق، فإنهم في رأي الناخب البريطاني خانوا الأمانة وفقدوا الثقة والاعتبار. وهى أمور تهدم المستقبل السياسي لأي شخص. وذلك ما حدث بالضبط، حيث لا تزال توابع الزلزال مستمرة حتى اليوم.


لا أستبعد أن يلجأ البعض إلى المقارنة بين سلوك ملكة إسبانيا وغيرها من ملكات آخر الزمان. أو بين انتقاد الرئيس الأمريكي لأنه ذهب يستمتع بوقته لعدة ساعات وبين غيره ممن يستمتعون بأوقاتهم طول الوقت. ولن أستغرب إذا انخرط واحد في البكاء ولطم خديه حين وجد أنهم في بريطانيا يحاسبون المسؤولين ويسقطونهم من مناصبهم جراء استيلائهم غير المشروع على بضع مئات من الجنيهات في حين أن الأكابر في بلادنا ينهبون الملايين والمليارات ويكون ذلك أحد مسوغات ارتقائهم في مدارج السلطة وائتمانهم على مستقبل السياسيات. لكنى ما قصدت شيئا في كل ذلك، لأن ما همني أن ثمة قاسما مشتركا بين المشاهد التي ذكرتها. يتمثل في أمرين، الأول أن الحكام في تلك البلدان بشر يعيشون على الأرض، وليسوا آلهة تعيش في الأبراج العالية والنائية. والثاني أن الشعوب هناك يعمل لها حساب، لأن شرعية أولئك الحكام وأنظمتهم مستمدة من رضائها، أما ما عدا ذلك من انطباعات أو تعليقات فلست مسؤولا عنه.

‘ملهاة’ عائض القرني و’مأساة’ سعود الهاشمي

يونيو 5, 2009
‘ملهاة’ عائض القرني و’مأساة’ سعود الهاشمي

بقلم خالد حسن


مجلة العصر

هالني ما قرأته أمس عن الانتهاكات وأنواع التعذيب (الجسدي والمعنوي) الذي تعرض له “الإصلاحي” د. سعود بن مختار الهاشمي، المعتقل منذ حوالي سنتين ونصف في السعودية مع مجموعة أخرى من دعاة العدل والشورى وحقوق الإنسان. هم قدموا حريتهم ثمن خروجهم من صمت وسلبية الهامشية والدونية إلى حيوية الفعل الإصلاحي السلمي، حتى وإن لم يكن مؤثرا، لكن على الأقل يجسدون فيه آدميتهم وكرامتهم وإنسانيتهم..

و(الإصلاحي) في السعودية، وببساطة، وصف أو لقب يحمله كل من فكر بصوت عال في قضايا الشورى والحريات المشروعة في البلد، منهم الإسلامي واللبرالي ومن لا انتماء له، وهكذا…لأن بعضنا عندما يمر عليه هذا الوصف، يظن نفسه أمام ميشال كيلو أو علي بلحاج أو راشد الغنوشي، يعني ليس معارضا بالمفهوم الغربي ولا بالمفهوم العربي، وإنما وفق ما تتحمله التجربة الإصلاحية السعودية، هو شخص يتوق إلى حرية التعبير ويحلم بحرية التجمع، لا ينازع حاكما ولا محكوما، لا ينادي بالتداول السلمي على السلطة وإنما بحرية اختيار مجلس الشورى وربما بملكية دستورية..، واستقلالية القضاء واحترام حقوق الإنسان.

هذا الاستطراد مهم حتى لا يذهب بال القارئ بعيدا في تخيل “الجرم” الذي ارتكبه د. سعود الهاشمي وإخوانه، هم واكبوا ـ فقط ـ التوجه العام الداعي للإصلاح السياسي. فكل ما هنالك، ليس أكثر من عريضة مطلبية أو جلسات للتفكير الهادئ والسلمي حول مصير الإصلاح والشورى في البلد، أو التنديد بممارسات أجهزة أمنية وقضائية وحكومية.. يعني بالمفهوم السياسي، هم أقرب إلى “الإصلاح الناعم”، الذي لا يسيء لحكم ولا يهدد مصالح ولا يستفز مشاعر “ولاة الأمور”..

ودعاة الإصلاح في السعودية يدركون أنه ليس ثمة رأي عام محلي ولا عربي ولا دولي، قادر على تشكيل مظلة للدفاع عن هؤلاء، فالبلد مغلق لا يتحمل هذا النوع من الحراك، ولا يتصورون أن هناك ضغوطا من العالم، الذي يسمونه “حرا”، بإمكانه “تهذيب” أوضاعهم المزرية. وإنما أقصى ما يطلبونه وهم في غياهب المعتقلات، أن يعاملوا وفق ما نصت عليه القوانين والإجراءات الجزائية.

إلى هنا، فالأمر هم وغم نعيشه ونتنفسه ونكتوي بناره، صباح مساء، ونعزي أنفسنا بأن هذا قدر الأحرار في دنيا العبيد، لكن أن يصلني خبر في اليوم نفسه، وهذا نصه حرفيا: (أعلن الشيخ عائض القرني عن مسابقة ضخمة وبجائزة تبلغ مليون ريال لأفضل شاعر يتمكن من مجاراة القصيدة وبنفس المضمون الذي يثني على رب العالمين. هذا وقد اختير الشاعر ناصر القحطاني رئيساً للجنة تحكيم المسابقة والأستاذ عبدالله الشمراني أميناً عاماً لها، كما أبدت عدة جهات اهتمامها بالجائزة معلنة رغبتها في رعايتها والتعاون في سبيل إنجاحها ومن بينها الاتصالات السعودية وقناة MBC)، فهذا مما يزيدني غما وهما وألما.

يعني لا يكفي أن يُتنكر لهؤلاء وأن يخذلوا بالصمت والهجران والقطيعة مع قضاياهم، لنضيف إلى هذا ترف وعبث. ماذا لو انشغل الأحرار يوم أن ضُيق على الشيخ عائض خلال سنوات مضت، بهذه الهوامش؟ ماذا لو تخلوا عنه وعن قضيته وانصرفوا إلى فقاعات إعلامية تتخطفهم يمنة ويسرة؟

ربما قد يبدو تأثير المثقف ـ في السعودية ـ هامشيا، لأن ثقافة السلطة هي المهيمنة، ومسوقوها ليسوا فقط من الحرس القديم، وإنما أيضا دعاة ومثقفون، يعملون بشروط السلطة، سواء رغبة منهم، أو باضطرار وتحت دوافع مختلفة، فيعيدون إنتاج الخطاب الرسمي، بأسلوب ناعم.

وأدرك كما يدرك معتقلو الشورى والعدالة وحقوق الإنسان، أن شروط الانخراط في الفعل الثقافي والسياسي في السعودية أصبحت مرهونة بالانضمام إلى “قطيع” من المؤسسات والمساحات، التي تضعنا أمام أحد خيارين، العزلة أو الاندماج في حراك مشروط. لكن ماذا لو حاول البعض التفكير بطريقة مختلفة، حتى وإن لم تساير التيار العام، وخالفت بعض الرغبات؟

كان متوقعا أن يتعرض د. سعود الهاشمي وصحبه للضغوط المساومة، ويبدو أن الأجهزة الأمنية المتورطة في اعتقاله، كانت تحاول أن تجرب مدى ضعفه الإنساني واستعداده للرضوخ لمطالبها أو الاعتذار عن مواقفه، لكن متى كان السجن يغير قناعات الأحرار، فلا أحد يتخلى عن مطالب إصلاحية لا تنازع ولا تهدد ولا تقوض ولا توهن ولا تثير الفتن.

تحرك هؤلاء وغيرهم من “الإصلاحيين”، لأنهم أرادوا أن يعيشوا لقضية هي أكبر من ثنائية هامشية عبثية، غناء محمد عبده لقصيدة الشيخ عائض القرني، وأن تتحول قضيتهم إلى “أول قضية رأي عام” في السعودية، وهي قضية “لم تمت”، ومازالت حية وتستحق وعيا وتحركا وقناعات.

وعجبت لاهتمامات الكثيرين في السعودية، مواقع ومنتديات وصحف وأوساط، يحشدون أقلامهم ومنابرهم وصفوفهم في قضية خبر عائض القرني ومحمد عبده، ويخصصون لها الأوقات وربما البرامج الحوارية، وأساتذة ومثقفون، كانوا بالأمس القريب جزءا من المشهد العام، يغيبون في السجون، وينحون من الذاكرة، ويتعرضون لترهيب وتعذيب نفسي ومادي، ويمر الخبر وكأنه “لا حدث”.. فالأمة مشغولة بالخطر الأكبر، إيران، وبالمفاجأة التي أحدثت زلزلة في الوسط الشرعي: التعاون الفني ين الشيخ عائض القرني ومحمد عبده، كما عبر عنه أحد الإعلاميين السعوديين، والذي يثير الدهشة أكثر، أننا نتعرض للموت النفسي والفكري يوميا، ونتعامل مع أنفسنا والآخرين، كأننا أحياء غير أموات، بل ونشغل أنفسنا والآخرين بأخبار هامشية.

لا أطالب الشيخ عائض القرني، وغيره من أهل التأثير العام، أن ينحازوا لمثل قضايا د. سعود الهاشمي، دفاعا عن الكلمة الحرة، (وهذا من مسؤولية المثقف)، لا أبدا، فهذا تحميل ما لا يُتحمل ولزوم ما لا يلزم، وكل ما في الأمر، أن لا يزيد من مصاب إخوانه المعتقلين، باختيارات، تعمق السلبية والهامشية.

ولعلنا قد نسمع خبر شيخ من المؤثرين، يتفقد سجن الهاشمي وإخوانه، ليؤكد بعدها أنه اكتشف وضعا إنسانيا راقيا، أو على الأقل مقبولا، بخلاف ما كان يتناقله أقارب وفريق دفاع د. سعود الهاشمي، فكل شيء ممكن في زمن التجريد والمواقف الفضفاضة والعائمة.

شرعية المظاهرات السلمية؟

يناير 6, 2009

شرعية المظاهرات السلمية

تلقى فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي – رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين – رسالة بإمضاء ” عدد من طلاب العلم الشرعي” (بتاريخ 5 فبراير 2008 ) تحمل هذا السؤال:

ما رأي فضيلتكم فيما ذكره بعض العلماء من عدم مشروعية تسيير المسيرات والمظاهرات، تأييدا لمطالب مشروعة، أو تعبيرا عن رفض أشياء معينة في مجال السياسة، أو الاقتصاد، أو العلاقات الدولية، أو غيرها؟ وقال هذا العالم: إن تنظيم هذه المسيرات أو الدعوة إليها، أو المشاركة فيها حرام.

ودليله على ذلك: أن هذه بدعة لم يعرفها المسلمون، وليست من طرائق المسلمين، وإنما هي مستوردة من بلاد اليهود والنصارى والشيوعيين وغيرهم من الكفرة والملحدين. وتحدّى هذا العالم من يأتيه بواقعة واحدة، سارت فيها مظاهرة كبيرة أو صغيرة، في عهد الرسول أو الصحابة.

وإذا كانت هذه المسيرات تعبّر عن الاحتجاج على الحكومة، فهذا خروج على المنهج الإسلامي في إسداء النصيحة للحكام، والمعروف: أن الأولى في هذه النصيحة أن تكون بين الناصح والحاكم، ولا تكون على الملأ.

على أن هذه المسيرات كثيرا ما يستغلّها المخرّبون، و يقومون بتدمير الممتلكات، وتخريب المنشآت. ولذا وجب منعها سدا للذرائع.

فهل هذا الكلام مسلّم من الوجهة الشرعية؟ وهل يسوغ للناس في أنحاء العالم: أن يسيروا المظاهرات للتعبير عن مطالبهم الخاصة أو العامة، وأن يـؤثروا في الرأي العام من حولهم، وبالتالي يؤثِّرون على الحكام وأصحاب القـــرار، إلا المسلمين دون غيرهم، يحرم عليهم استعمال هذه الوسيلة التي أصبحت عالمية؟

نرجو أن نسمع منكم القول الفصل، الموثق بأدلة الشرع، في هذه الفضية الخطيرة، التي غدت تهم كل الناس في سائر الأقطار والقارات. وفقكم الله وسددكم.

وفي رده على السائل أفاد فضيلته بقوله:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ابتع هداه…أما بعد

فمن حق المسلمين – كغيرهم من سائر البشر- أن يسيروا المسيرات وينشئوا المظاهرات، تعبيرا عن مطالبهم المشروعة، وتبليغا بحاجاتهم إلى أولي الأمر، وصنّاع القرار، بصوت مسموع لا يمكن تجاهله. فإن صوت الفرد قد لا يسمع، ولكن صوت المجموع أقوى من أن يتجاهل، وكلما تكاثر المتظاهرون، وكان معهم شخصيات لها وزنها: كان صوتهم أكثر إسماعا وأشد تأثيرا. لأن إرادة الجماعة أقوى من إرادة الفرد، والمرء ضعيف بمفرده قوي بجماعته. ولهذا قال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى}[المائدة:2]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا” وشبّك بين أصابعه .

ودليل مشروعية هذه المسيرات: أنها من أمور (العادات) وشؤون الحياة المدنية، والأصل في هذه الأمور هو: الإباحة.

وهذا ما قررته بأدلة – منذ ما يقرب من نصف قرن- في الباب الأول من كتاب: (الحلال والحرام في الإسلام) الذي بين في المبدأ الأول أن القاعدة الأولى من هذا الباب: (أن الأصل في الأشياء الإباحة). وهذا هو القول الصحيح الذي اختاره جمهور الفقهاء والأصوليين.

فلا حرام إلا ما جاء بنص صحيح الثبوت، صريح الدلالة على التحريم. أما ما كان ضعيفا في مسنده أو كان صحيح الثبوت، ولكن ليس صريح الدلالة على التحريم، فيبقى على أصل الإباحة، حتى لا نحرم ما أحل الله.

ومن هنا ضاقت دائرة المحرمات في شريعة الإسلام ضيقا شديدا، واتسعت دائرة الحلال اتساعا بالغا. ذلك أن النصوص الصحيحة الصريحة التي جاءت بالتحريم قليلة جدا، وما لم يجئ نص بحله أو حرمته، فهو باق على أصل الإباحة، وفي دائرة العفو الإلهي.

وفي هذا ورد الحديث: “ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا”. وتلا: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم:64].

وعن سلمان الفارسي: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال: “الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم” ، فلم يشأ عليه الصلاة والسلام أن يجيب السائلين عن هذه الجزئيات، بل أحالهم على قاعدة يرجعون إليها في معرفة الحلال والحرام، ويكفي أن يعرفوا ما حرم الله، فيكون كل ما عداه حلالا طيبا.

وقال صلى الله عليه وسلم: “إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها” .

وأحب أن أنبه هنا على أن أصل الإباحة لا يقتصر على الأشياء والأعيان، بل يشمل الأفعال والتصرفات التي ليست من أمور العبادة، وهي التي نسميها: (العادات أو المعاملات) فالأصل فيها عدم التحريم وعدم التقييد إلا ما حرّمه الشارع وألزم به، وقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ}[الأنعام:119]، عام في الأشياء والأفعال.

وهذا بخلاف العبادة فإنها من أمر الدين المحض الذي لا يؤخذ إلا عن طريق الوحي، وفيها جاء الحديث الصحيح: “من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد” ، وذلك أن حقيقة الدين تتمثل في أمرين: ألا يُعبد إلا الله، وألا يُعبد إلا بما شرع، فمن ابتدع عبادة من عنده – كائنا من كان- فهي ضلالة ترد عليه، لأن الشارع وحده هو صاحب الحق في إنشاء العبادات التي يُتقرب بها إليه.

وأما العادات أو المعاملات فليس الشارع منشئا لها، بل الناس هم الذين أنشأوها وتعاملوا بها، والشارع جاء مصححا لها ومعدلا ومهذبا، ومقرا في بعض الأحيان ما خلا عن الفساد والضرر منها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع.

وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه. والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى، وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لا بد أن تكون مأمورا بها، فما لم يثبت أنه مأمور به – أي من العادات – كيف يحكم عليه بأنه محظور؟

ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ}[الشورى:21].

والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرّمه الله، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً}[يونس:59].

وهذه قاعدة عظيمة نافعة، وإذا كان كذلك فنقول:

البيع، والهبة، والإجارة، وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم – كالأكل والشرب واللباس- فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة، فحرمت منها ما فيه فساد، وأوجبت ما لا بد منه، وكرهت ما لا ينبغي، واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها.

وإذا كان كذلك، فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف يشاءون، ما لم تحرم الشريعة، كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة – وإن كان بعض ذلك قد يستحب، أو يكون مكروها – وما لم تحد الشريعة في ذلك حدا، فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي) .انتهى.

ومما يدل على هذا الأصل المذكور ما جاء في الصحيح عن جابر بن عبد الله قال: “كنا نعزل والقرآن ينزل، فلو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن” .

فدل على أن ما سكت عنه الوحي غير محظور ولا منهي عنه، وأنهم في حل من فعله حتى يرد نص بالنهي والمنع، وهذا من كمال فقه الصحابة رضي الله عنهم، وبهذا تقررت هذه القاعدة الجليلة، ألا تشرع عبادة إلا بشرع الله، ولا تحرم عادة إلا بتحريم الله.

والقول بأن هذه المسيرات (بدعة) لم تحدث في عهد رسول الله ولا أصحابه، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار: قول مرفوض؛ لأن هذا إنما يتحقق في أمر العبادة وفي الشأن الديني الخالص. فالأصل في أمور الدين (الاتباع) وفي أمور الدنيا (الابتداع).

ولهذا ابتكر الصحابة والتابعون لهم بإحسان: أمورا كثيرة لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك ما يعرف بـ (أوليات عمر) وهي الأشياء التي ابتدأها عمر رضي الله عنه، غير مسبوق إليها. مثل: إنشاء تاريخ خاص للمسلمين، وتمصير الأمصار، وتدوين الدواوين، واتخاذ دار للسجن، وغيرها.

وبعد الصحابة أنشأ التابعون وتلاميذهم أمورا كثيرة، مثل: ضرب النقود الإسلامية، بدل اعتمادهم على دراهم الفرس، ودنانير الروم، وإنشاء نظام البريد، وتدوين العلوم وإنشاء علوم جديدة مثل: علم أصول الفقه، وعلوم النحو والصرف والبلاغة، وعلم اللغة، وغيرها.

وأنشأ المسلمون (نظام الحسبة) ووضعوا له قواعد وأحكاما وآدابا، وألّفوا فيه كتبا شتّى.

ولهذا كان من الخطأ المنهجي: أن يطلب دليل خاص على شرعية كل شأن من شؤون العادات، فحسبنا أنه لا يوجد نص مانع من الشرع.

ودعوى أن هذه المسيرات مقتبسة أو مستوردة من عند غير المسلمين: لا يثبت تحريما لهذا الأمر، ما دام هو في نفسه مباحا، ويراه المسلمون نافعا لهــم.” فالحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها” .

وقد اقتبس المسلمون في عصر النبوة طريقة حفر الخندق حول المدينة، لتحصينها من غزو المشركين، وهي من طرق الفرس.

واتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم خاتما. حيث أشير عليه أن يفعل ذلك، فإن الملوك والأمراء في العالم، لا يقبلون كتابا إلا مختوما.

واقتبس الصحابة نظام الخراج من دولة الفرس العريقة في المدنية والتنظيم.

واقتبسوا كذلك تدوين الدواوين، من دولة الروم، لما لها من عراقة في ذلك.

وترجم المسلمون الكتب التي تتضمن (علوم الأوائل) أي الأمم المتقدمة، التي طورها المسلمون وهذبوها وأضافوا إليها، وابتكروا فيها مثل: (علم الجبر) بشهادة المنصفين من مؤرخي العلم.

ولم يعترضوا إلا على (الجانب الإلهي) في التراث اليوناني؛ لأن الله تعالى أغناهم بعقيدة الإسلام عن وثنية اليونان وما فيها من أساطير وأباطيل.

ومن نظر إلى حياتنا المعاصرة في شتى المجالات: وجد فيها كثيرا جدا مما اقتبسناه من بلاد الغرب: في التعليم والإعلام والاقتصاد والإدارة والسياسة وغيرها.

ففكرة الدستور، والانتخابات بالصورة المعاصرة، وفصل السلطات، وإنشاء الصحافة والإذاعة والتلفزة، بوصفها أدوات للتعبير والتوجيه والترفيه، وإنجاز الشبكة الجبارة للمعلومات (الإنترنت).

والتعليم بمؤسساته وتقسيماته وترتيباته ومراحله وآلياته المعاصرة، مقتبس في معظمه من الغرب.

والشيخ رفاعة الطهطاوي، حين ذهب إلى باريس إماما للبعثة المصرية، ورأى من ألوان المدنية ما رأى، بهرته الحضارة الحديثة، وعاد لينبه قومه إلى ضرورة الاقتباس مما سبق به الأوربيون، حتى لا يظلوا يتقدمون ونحن نتأخر.

ومن يومها بدأ المصريون، وبدأ معهم كثير من العرب، وقبلهم بدأ العثمانيون في اقتباس ما عند الغربيين.

كل هذه مقتبسات من الغرب الذي تفوق علينا وسبقنا بها، ولم نجد بدا من أن نأخذها عنه، ولم تجد نكيرا من أحد من علماء الشرع ولا من غيرهم فأقرها العرف العام. وقد أخذ الغرب عنا من قبل واقتبس منا، وانتفع بعلومنا أوائل نهضته {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران:140].

المهم أن نأخذ ما يلائم عقائدنا وقيمنا وشرائعنا، دون ما يناقضها أو ينقضها. فالناقل هو الذي يأخذ من غيره ما ينفعه لا ما يضره. وأهم ما يأخذه المسلم من غيره: ما كان متعلقا بشؤون الحياة المتطورة، وجله يتصل بالوسائل والآليات التي طابعها المرونة والتغير، لا بالأهداف والمبادئ التي طابعها الثبات والبقاء.

على أن ما ذكره السائل أو السائلون، من نسبة هذه المظاهرات أو المسيرات إلى الشيوعيين الملحدين: غير صحيح، فالأنظمة الشيوعية لا تسمح بهذه المسيرات إطلاقا؛ لأن هذه الأنظمة الشمولية القاهرة تقوم على كبت الحريات، وتكميم الأفواه، والخضوع المطلق لسلطان الحكم وجبروته.

قاعدتان مهمتان

وأود أن أقرر هنا قاعدتين في غاية الأهمية:

1- قاعدة المصلحة المرسلة:

الأولى هي: قاعدة المصلحة المرسلة، فهذه الممارسات التي لم ترد في العهد النبوي، ولم تعرف في العهد الراشدي، ولم يعرفها المسلمون في عصورهم الأولى، وإنما هي من مستحدثات هذا العصر: إنما تدخل في دائرة (المصلحة المرسلة) وهي التي لم يرد من الشرع دليل باعتبارها ولا بإلغائها.

وشرطها: أن لا تكون من أمور العبادات حتى لا تدخل في البدعة، وأن تكون من جنس المصالح التي أقرها الشرع، والتي إذا عرضت على العقول، تلقتها بالقبول، وألا تعارض نصا شرعيا، ولا قاعدة شرعية.

وجمهور فقهاء المسلمين يعتبرون المصلحة دليلا شرعيا يبنى عليها التشريع أو الفتوى أو القضاء، ومن قرأ كتب الفقه وجد مئات الأمثلة من الأحكام التي لا تعلل إلا بمطلق مصلحة تجلب، أو ضرر يدفع.

وكان الصحابة – وهم أفقه الناس لهذه الشريعة- أكثر الناس استعمالا للمصلحة واستنادا إليها.

وقد شاع أن الاستدلال بالمصلحة المرسلة خاص بمذهب المالكية، ولكن الإمام شهاب الدين القرافي المالكي (684هـ ) يقول – ردا على من نقلوا اختصاصها بالمالكي-:

(وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا أو جمعوا أو فرقوا بين المسألتين، لا يطلبون شاهدا بالاعتبار لذلك المعنى الذي جمعوا أو فرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب) .

2- للوسائل حكم المقاصد:

والقاعدة الثانية: هي أن للوسائل في شؤون العادات حكم المقاصد، فإذا كان المقصد مشروعا في هذه الأمور، فإن الوسائل إليه تأخذ حكمه، ولم تكن الوسيلة محرمة في ذاتها.

ولهذا حين ظهرت الوسائل الإعلامية الجديدة، مثل (التلفزيون) كثر سؤال الناس عنها: أهي حلال أم حرام؟

وكان جواب أهل العلم: أن هذه الأشياء لا حكم لها في نفسها، وإنما حكمها بحسب ما تستعمل له من غايات ومقاصد. فإذا سألت عن حكم (البندقية) قلنا: إنها في يد المجاهد: عون على الجهاد ونصرة الحق ومقاومة الباطل، وهي في يد قاطع الطريق: عون على الجريمة والإفساد في الأرض، وترويع الخلق.

وكذلك التلفزيون: من يستخدمه في معرفة الأخبار، ومتابعة البرامج النافعة ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، بل والبرامج الترفيهية بشروط وضوابط معينة، فهذا لا شك في إباحته ومشروعيته، بل قد يتحول إلى قربة وعبادة بالنية الصالحة. بخلاف من يستخدمه للبحث عن الخلاعة والمجون وغيرها من الضلالات في الفكر والسلوك.

وكذلك هذه المسيرات والتظاهرات، إن كان خروجها لتحقيق مقصد مشروع، كأن تنادي بتحكيم الشريعة، أو بإطلاق سراح المعتقلين بغير تهمة حقيقية، أو بإيقاف المحاكمات العسكرية للمدنيين، أو بإلغاء حالة الطوارئ التي تعطي للحكام سلطات مطلقة. أو بتحقيق مطالب عامة للناس مثل: توفير الخبز أو الزيت أو السكر أو الدواء أو البنزين، أو غير ذلك من الأهداف التي لا شك في شرعيتها. فمثل هذا لا يرتاب فقيه في جوازه.

وأذكر أني كنت في سنة 1989م في الجزائر، وقد شكا إلي بعض الأخوات من طالبات الجامعة من الملتزمات والمتدينات، من مجموعة من النساء العلمانيات أقمن مسيرة من نحو خمسمائة امرأة، سارت في شوارع العاصمة، تطالب بمجموعة من المطالب تتعلق بالأسرة أو ما يسمى ( قانون الأحوال الشخصية) مثل: منع الطلاق، أو تعدد الزوجات، أو طلب التسوية بين الذكر والأنثى في الميراث، أو إباحة تزوج المسلمة من غير المسلم، ونحو ذلك.

فقلت للطالبات اللائي سألنني عن ذلك: الرد على هذه المسيرة العلمانية: أن تقود المسلمات الملتزمات مسيرة مضادة، من خمسمائة ألف امرأة! أي ضعف المسيرة الأولى ألف مرة! تنادي باحترام قواطع الشريعة الإسلامية.

وفعلا بعد أشهر قليلة أقيمت مسيرة مليونية عامتها من النساء تؤيد الشريعة، وإن شارك فيها عدد محدود من الرجال.

فهذه المسيرة – بحسب مقصدها- لا شك في شرعيتها، بخلاف المسيرة الأخرى المعارضة لأحكام الشريعة القطعية، لا يستطيع فقيه أن يفتي بجوازها.

سد الذرائع

أما ما قيل من منع المسيرات والتظاهرات السلمية، خشية أن يتخذها بعض المخربين أداة لتدمير الممتلكات والمنشآت، وتعكير الأمن، وإثارة القلاقل. فمن المعروف: أن قاعدة سد الذرائع لا يجوز التوسع فيها، حتى تكون وسيلة للحرمان من كثير من المصالح المعتبرة.

ويكفي أن نقول بجواز تسيير المسيرات إذا توافرت شروط معينة يترجح معها ضمان ألا تحدث التخريبات التي تحدث في بعض الأحيان. كأن تكون في حراسة الشرطة، أو أن يتعهد منظموها بأن يتولوا ضبطها بحيث لا يقع اضطراب أو إخلال بالأمن فيها، وأن يتحملوا المسؤولية عن ذلك. وهذا المعمول به في البلاد المتقدمة ماديا.

في السنة دليل على شرعية المسيرات

أعتقد أن فيما سقناه من الأدلة والاعتبارات الشرعية، ما يكفي لإجازة المسيرات السلمية إذا كانت تعبر عن مطالب فئوية أو جماهيرية مشروعة.

وليس من الضروري أن يطلب دليل شرعي خاص على ذلك، مثل نص قرآني أو نبوي، أو واقعة حدثت في عهد النبوة أو الخلافة الراشدة.

ومع هذا، نتبرع بذكر واقعة دالة، حدثت في عهد النبوة، وذلك عندما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

فبعد أن يسرد عمر رضي الله عنه قصة إسلامه، ولنستمع إلى عمر نفسه، وهو يقص علينا نبأ هذه المسيرة. حتى إذا دخل دار الأرقم ابن أبي الأرقم معلنا الشهادتين يقول: (فقلت: يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا ؟ قال: “بلى، والذي نفسي بيده، إنكم على الحق إن متم وإن حييتم” قال: فقلت: ففيم الاختفاء ؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن، فأخرجناه في صفين: حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر، له كديد ككديد الطحين، حتى دخلنا المسجد، قال: فنظرت إليّ قريش وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها. فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الفاروق) .

ومن تتبع السيرة النبوية، والسنة المحمدية، لا يعدم أن يجد فيها أمثلة أخرى.

والحمد لله رب العالمين.

يوسف القرضاوي

الفقه الذي نحتاج هو الفكر

ديسمبر 28, 2008

حاجتنا إلى فقه جديد

الأزمة الفكرية:
إن المجال الأول -الذي تحتاجه الأمة- في رأيي هو مجال الفكر, فهو الأساس للبناء الدعوي والبناء التربوي. الذي يبدو لي أن أزمتنا الأولى أزمة فكرية , هناك خلل واضح في فهم كثيرين للإسلام, وقصور واضح في الوعي بتعاليمه, ومراتبها, وأيها الأهم وأيها المهم، وأيها غير المهم. هناك عجز في المعرفة بالحاضر المعيش , والواقع المعاصر.
هناك جهل بالآخرين , نقع فيه بين التهويل والتهوين، مع أن الآخرين يعرفون عنا كل شيء, وقد كشفونا حتى النخاع !
بل هناك جهل بأنفسنا، فنحن إلى اليوم لا نعرف حقيقة مواطن القوة فينا، ولا نقاط الضعف لدينا، وكثيرا ما نضخم الشيء الهيّن ء وما نهون الشيء العظيم، سواء في إمكاناتنا، أم في عيوبنا .
وهذا الجهل لا يقتصر على الجماهير المسلمة ، بل يشمل الطليعة المرجّوة لنصرة الإسلام، والتي تمثل الركائز التي يقوم عليها العمل الإسلامي المنشود .

حاجتنا إلى فقه جديد:
الحق أننا في حاجة إلى فقه جديد، نستحق به ن نكون ممن وصفهم الله بأنهم (قوم يفقهون). فليس مرادنا بالفقه : العلم المعروف الذي اصطلح على تسميته (فقهاً) والذي يعني : معرفة الأحكام الشرعية الجزئية من أدلتها التفصيلية, من مثل أحكام الطهارة والنجاسة والعبادات والمعاملات وأحكام الزواج والطلاق والرضاع وغيرها . . .
فهذا العلم _ على أهميته _ ليس هو مرادنا بالفقه , وليس هو المراد بكلمة (الفقه)حيث ورد في القرآن والحديث، وإنما هي مما بدّل من الأسامي والمفاهيم, كما بيّن ذلك الإمام الغزالي في كتاب (العلم) من موسوعته المعروفة (إحياء علوم الدين). إن القرآن ذكر مادة (ف ق هـ) في سوره المكية قبل أن تنزل الأوامر والنواهي التشريعية التفصيلية, وقبل أن تفرض الفرائض, وتحد الحدود, وتفصل الأحكام. إقرأ قوله تعالى في سورة الأنعام, ومكية: ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أومن تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض, أنظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون) (الأنعام: 65) واقرأفي السورة نفسها: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة، فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون) (الأنعام: 98). والفقه في الآيتين معناه: المعرفة البصيرة بسنن الله في الأنفس والآفاق وسنن الله في خلقه, وعقوباته لمن انحرف عن صراطه.
واقرأ في سورة الأعراف _وهي مكية_ قوله تعالى في ذم قوم جعلهم حطب جهنم فكان من وصفه لهم بأنهم ( لهم قلوب لا يفقهون بها) ثم قال عنهم: (أولئك كالأنعام بل هم أضل) واقرأ في أكثر من سورة موقف المشركين من القرآن, وقد عبّر الله عنه بقوله : (وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا) (الأنعام : 25، والإسراء, : 46, والكهف : 57).أما في القرآن المدني فقد تكررت المادة في عدد من السور كلها تنفي (الفقه) عن المشركين والمنافقين. ففي سورة الأنفال يخاطب الله رسوله والمؤمنين بقوله: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين, وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون) (الأنفال : 65).
فنفي الفقه عن المشركين المحاربين هنا, يراد به الفقه في سنن الله في النصر والهزيمة, ومداولة الأيام بين الناس.
وفي سورة التوبة ذم الله المنافقين بقوله: (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ) (التوبة : 87). فالفقه المنفي هنا هو الفقه في ضرورة الجهاد والبذل لحماية الدين والنفس والعرض, وكيان الجماعة, وأنه مقدم على أية مصلحة فردية عاجلة أخرى.
وفي نفس السورة وصف بهذا الضعف بقوله تعالى: ( وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض: هل يراكم من أحد؟ ثم انصرفوا, صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون) (التوبة :127). فقد غاب عن هؤلاء المطموسين أن الله يراهم قبل رؤية الناس, ولكنهم فقدوا الفقه والفهم حقا. وفي سورة الحشر يتحدث عن المنافقين مخاطباً المؤمنين : (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله, ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) (الحشر: 3ا).
وفي سورة المنافقين قال تعالى . (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع الله على قلوبهم, فهم لا يفقهون) (المنافقين : 3).
وفي السورة نفسها : ( وهم الذين يقولون : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا, ولله خزائن السموات والأرض , ولكن المنافقين لا يفقهون) (المنافقين: 3).
وفي السورة نفسها: (وهم الذين يقولون: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، ولله خزائن السموات والأرض، ولكن المنافقين لا يفقهون) (المنافقين:7).
وبهذا كان لأهل النفاق حصة الأسد من هذا الوصف القرآني بأنهم (لا يفقهون). ذلك لأن المنافقين يتوهمون أنهم أذكياء وأنهم استطاعوا أن يلعبوا على الحبلين، و ويعيشوا بوجهين، وأنهم خادعوا الله والذين آمنوا، فإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا وذا خلو إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم.
ولكن الله تعالى هتك سترهم, وفضح ذبذبتهم, وكشف خداعهم في آيات كثيرة : ( يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا نفسهم وما يشعرون) (البقرة : 9) .
المهم أنهم فضحوا عند الله وعند الناس، وخسروا الدنيا والآخرة , وحق عليهم أنهم في الدرك الأسفل من النار، فأي غباء أكبر من هذا الغباء؟ ولا ريب أن من كان هذا وصفه ليس عنده شيء من الفقه .

الخلاصة:
أن الفقه في لغة القرآن ليس هو الفقه الاصطلاحي، بل هو فقه في آيات الله وفي سننه في الكون والحياة والمجتمع . حتى التفقه في الدين الذي ورد في سورة التوبة ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين, ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (التوبة :122).
لا يقصد به الفقه التقليدي: فإن الفقه لا يثمر إنذاراً يترتب عليه حذر أو خشية، بل هو أبعد شيء عن أداء هذه الوظيفة، التي هي وظيفة الدعوة.
ومثله قوله -صلى الله عليه وسلم-” ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين“. والمعنى أن ينير الله بصيرته فيتعمق في فهم حقائق الدين وأسراره ومقاصده ولا يقف عند ألفاظه وظواهره.

الشيخ/ يوسف القرضاوي

إضراب في السعودية ليومين .. من أجل الحقوق الإنسانية للسجناء

أكتوبر 25, 2008

نصّ البيان :


لما استنفذت فرق الدفاع عن سجناء تيار العدل و الشورى و حقوق الإنسان (الإصلاح الدستوري و المجتمع المدني) وسعها في حصولهم على مطالبهم الأساسية التي كفلها نظام الإجراءات الجزائية ؛ قرروا الدخول في إضراب عن الطعام لمدة 48 ساعة يومي الخميس و الجمعة 8 و 9 /ذو القعدة / 1429 (الموافق 6 و7/نوفمبر/2008) و ذلك احتجاجاً على انتهاك حقوق المعتقلين وعموم السجناء في المملكة العربية السعودية، الذين حرموا من ما أوجبه نظام الإجراءات الجزائية، وهو:

1- أن تكون هيئة التحقيق و الادعاء العام هي المشرفة على التحقيق.
2- الحق في توكيل محامي يحضر مرحلتي التحقيق و المحاكمة.
3- المعاملة بما يحفظ كرامة السجين و عدم ايذائه نفسياً أو جسدياً، وعدم ممارسة أي نوع من أنواع التعذيب ضده.
4- إبلاغ المتهم بسبب القبض عليه و التهمه الموجهة له رسمياً.
5- أن لا يتجاوز الحبس الانفرادي شهرين.
6- أن لا يتجاوز الحبس الاحتياطي الستة أشهر.
7- أن يحول المتهم إلى محاكمة عادلة و علنية أو يطلق سراحه بعد انتهاء فترة الحبس الاحتياطي.
8- حق السجين في الزيارة سواء من الأهل أو المحامي أو الأصدقاء.

و السجناء من تيار العدل و الشورى و حقوق الإنسان (الإصلاح الدستوري و المجتمع المدني)، الذين نعلن إضرابنا عن الطعام تضامناً معهم:-

1- البروفيسور متروك الفالح/ أستاذ جامعي، من دعاة العدل و الشورى و حقوق الإنسان, أعتقل في 19/5/2008
2- المحامي سليمان بن إبراهيم الرشودي/ قاضي سابق، من دعاة العدل والشورى وحقوق الإنسان, أعتقل في 14/1/1428هـ، الموافق 2/2/2007م
3- المحامي الدكتور موسى بن محمد القرني/ أستاذ جامعي سابق لأصول الفقه، من دعاة العدل والشورى وحقوق الإنسان, أعتقل في 14/1/1428هـ، الموافق 2/2/2007م
4- البروفيسور عبدالرحمن بن محمد الشميري/ أستاذ جامعي سابق للتربية الاسلامية، من دعاة العدل والشورى وحقوق والإنسان, أعتقل في 14/1/1428هـ، الموافق 2/2/2007م
5- الدكتور عبدالعزيز سليمان الخريجي/ من دعاة العدل و الشورى و حقوق الإنسان, أعتقل في 14/1/1428هـ، الموافق 2/2/2007م
6- سيف الدين بن فيصل الشريف/ من دعاة العدل و الشورى و حقوق الإنسان, أعتقل في 14/1/1428هـ، الموافق 2/2/2007م
7- فهد الصخري القرشي/ من دعاة العدل و الشورى و حقوق الإنسان, أعتقل في 14/1/1428هـ، الموافق 2/2/2007م
8- عبدالرحمن بن صديق/ من دعاة العدل و الشورى و حقوق الإنسان, أعتقل في 14/1/1428هـ، الموافق 2/2/2007م
9- الدكتور سعود بن محمد الهاشمي/ من دعاة العدل و الشورى و حقوق الإنسان, أعتقل في 14/1/1428هـ، الموافق 2/2/2007م
10- علي بن خصيفان القرني / من دعاة العدل و الشورى و حقوق الإنسان.
11- منصور بن سالم العوذه/ من دعاة العدل و الشورى و حقوق الإنسان, أعتقل 2/12/2007 م الموافق 23/11/1428 هـ

وغيرهم من سجناء الرأي الآخرين الذين يعانون من انتهاك حقوقهم في السجون السعودية دون الحصول على فرصة في الدفاع عن أنفسهم من خلال تطبيق نظام الإجراءات الجزائية والحصول على محاكمة عادلة ونزيهة.

وحيث أن الإضراب لمصلحة مشروعة جائز في الشريعة الإسلامية، وبما هو تعبير سلمي راقٍ، والأدلة عليه متوافرة، من ذلك إقرار النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة أبي لبابة الأنصاري رضي الله عنه الذي امتنع عن الطعام والشراب لتحقيق مقصود شرعي، وهو براءته، حتى نزلت الآية بتوبته، ثم فك النبي قيده، (رواه أبو داود في سننه، وابن جرير وابن كثير في تفسيرهما).

و قد استجاب بعض الحقوقيين والناشطين (الذين سوف يتم الإعلان عن أسمائهم في وقت لاحق) للدخول في هذا الإضراب.

كما أن باب المشاركة فيه مُشْرَع لكل ذوي الضمير الحي من الناشطين والمواطنين على حد سواء، تضامناً مع كافة المعتقلين المنتهكة حقوقهم في السجون السعودية، وعلى الراغبين في الانضمام للمضربين الاتصال بفرق الدفاع المبينة أرقام هواتفهم أدناه.

والله و لي التوفيق

المضربون عن الطعام من فرق الدفاع الموقعون على البيان التضامني مع السجناء:

1- أيمن محمد الراشد/ من دعاة العدل والشورى وحقوق الإنسان.
0505288354

2- سعود أحمد الدغيثر/ من دعاة العدل والشورى وحقوق الإنسان.
0559201964

3- أ.د.عبدالكريم يوسف الخضر/ أستاذ الفقه المقارن في كلية الشريعة في جامعة القصيم.
0503331113

4- د.عبدالرحمن حامد الحامد/ أستاذ الاقتصاد الإسلامي.
0503774446

5- عبد الله محمد الزهراني/ من دعاة العدل والشورى وحقوق الإنسان.

6- عبد المحسن بن علي العياشي/ من دعاة العدل والشورى وحقوق الإنسان.
0553644636

7- فهد عبدالعزيز العريني/ من دعاة العدل و الشورى و حقوق الإنسان.

0502566678 – email:fahadalorani@gmail.com

8- فوزان محسن الحربي/ من دعاة العدل و الشورى و حقوق الإنسان.
0501916774 – email: fowzanm@gmail.com

9- د. محمد فهد القحطاني/ أستاذ جامعي و إعلامي.
0555464345 – email: moh.alqahtani@gmail.com
10- مهنا بن محمد الفالح.
0505388205
11- ناصر بن سالم العوذة.

12- هاشم عبد الله الرفاعي/ كاتب من دعاة العدل والشورى وحقوق الإنسان.

13- وليد سامي أبو الخير/ كاتب وباحث وقانوني من دعاة العدل والشورى وحقوق الإنسان.
0567761788 – email: abualkair@gmail.com – فاكس 014272168

مقطع يبين ضرب الجيش الروسي لجورجيا

اغسطس 12, 2008

المسؤولية الأخلاقية للمثقف: ‘سولجنتسن’ أنموذجا

اغسطس 12, 2008

المسؤولية الأخلاقية للمثقف: ‘سولجنتسن’ أنموذجا

قد لا يكون أليكسندر سولجنتسن كاتبا عظيما، ولكنه قام بدور أخلاقي عظيم، لمقاومة الفساد والاستبداد، فرسالة الكاتب ترفعه كما تضعه أيضا، وليست فقط قدراته الأسلوبية، ولا إمكاناته المعرفية، وعندما نتحدث عن كبار الكتاب فإننا نتحدث في النهاية عن كبار المؤثرين، ولسوف يتوارى كتاب كثيرون مبدعون أسلوبيا ولكنهم ضعاف في أفكارهم، أو لأنهم لم يعالجوا من الأفكار والقضايا ما يستحق البقاء.

سولجنتسن أحد الذين مزقوا مجد روسيا الصوري في المخيلة العالمية، ولطخوا سمعة استبدادها بالتراب، وأسقط قيمتها الأخلاقية، من خلال الحديث عن سجونها، ولا شك فإن معسكرات التعذيب السياسية عار على أية أمة، فلو كان لدى السلطة موقف ثقافي وسياسي مقنع وكريم شريف لما لجأت لسجن مثقفيها وسياسييها المحترمين، كان هذا الروائي ممثلا للأرواح الحرة المقهورة في بلاده. وكان قوله الشهير: “لا أحد يستطيع أن يعيق الطريق إلى الحقيقة، وإني مستعد لقبول الموت في سبيلها” تمثيلا فعليا لحياته، وصبره واستمراره.

تابعت كثيرا من المقابلات والمقالات التي كتبت عن سولجنتسن منذ زمن وقرأت مبكرا عن حياته وأفكاره، غير أن القيمة التي شدت العالم نحوه هو موقفه الأخلاقي وشعوره بالمسؤلية تجاه إسقاط الفساد والاستبداد، وما هي رسالة المثقف إن لم يعش ظروف الناس، ويساهم في تحرير نفسه وروحه وأرواح الناس من المعقدين والمرضى بالاستبداد وحب السيطرة على الناس، والجمهور يبادلون المثقف الرسالي تقديرا لما قام به، وبما ناصر الحقوق العامة، ويكافئونه حيا وميتا بالتقدير والإجلال، ويعيش في القلوب عمرا ثانيا، إنهم يحترمون الكاتب الحر، الكاتب الذي يرى كرامة الإنسان من أعلى ما يجب أن يصان، الكاتب الذي يقف مع حرية الناس لا مع إطلاق أيدي المستغلين والمفسدين والمستبدين، وقد عاجله المستبدون فعوقب الكاتب بسبب كرامته وشرفه وعلو همته كأي مثقف في بيئة فاسدة مستبدة، ثم كانت عاقبة المجد له.

روسيا الستالينية لم تطق نقد الزعيم المعصوم من الخطأ، و ورثة الاستبداد من بعده لم يطيقوا وجوده، فأخرجوه من بلده، ولكن الدرس الكبير الذي لا ينساه التاريخ للمثقفين الروس أن طائفة شريفة منهم كانت تدك باستمرار جدار الاستبداد حتى أسقطته، كانت تعمل بجد لهدم جدار الوثنية الشيوعية المستبدة، إذ أن المثقف الذي لا يهدم ولا يساهم في جدار الظلم والوثنية ولا يعمل لتحرير الإنسان ولا يعيش همومه لا أهمية له، والمثقف المروج للاحتلال وللاستبداد شر على مجتمعه مهما أعطي من منصب وأوسمة، المثقف الحامي لشر الاستبداد عدو للكرامة وللمجتمع وللحكمة وللإنسان.

* الثقافة الروسية:

المثقفون الروس كتب عنهم كثيرون نصوصا رائعة مفسرة لدورهم في صياغة السياسة والفكر في بلادهم، كتبت عنهم دراسات عن حسناتهم وسيئاتهم ولكن العالم يشهد للمثقف الروسي في روحانيته وفي وثنيته في شيوعيته وفي هدمه للشيوعية بدور الكبير، المثقف الروسي ربما قلد، وربما كان جزئيا، ولكنه أنتج، ربما أخطأ كثيرا، ولكنه كان حريصا على تصفية أخطائه، ربما كان شهوانيا أو روحانيا كتولستوي، حركيا ومفكرا مثل بليخانوف، حاسما صاعقا وصوليا كلينين، عبقريا واسع الحيلة والأفق مهووسا بالعمل والثقافة والحركة كتروتسكي، ولكنه في الوقت نفسه ساهم بدور كبير وخاطر ومات واتهم وطرد وخون وسجن ونفي، ولكن المثقف الروسي في النهاية هدم الوثن وحاول دائما أن يحيي الحرية، أو هكذا نراه.

الفيلسوف إليسع برلين كان من خير من درس دور المثقف الروسي، ومن ألمع من انتقده وقيمه، كيف وقد تمتع بعقل وثقافة واسعة، وحدة ذهن نادرة، وجند نفسه لمحاربة الشيوعية وثقافتها، وقد عاش بين ثقافتين وكانت لغته الأولى الروسية، وعاش محاربا للشيوعيين، محللا لأفكارهم وحياتهم، وعكف سنين على تحليل أعمالهم وسلوكهم وفهمهم، ولكن بالرغم من التقدير الكبير لنقده القاسي لجزئية واختزالية المثقف الروسي، ولكن ماذا نقول لهذا المثقف العاصف، وربما المتطرف، والمضحي كثيرا، المبدع في غضبه وفي أدبه كما اعترف به العالم.

وقد شكر الشعب الروسي دور مثقفه الرسالي في تحريره، وشكر تلك النشرات السرية، والنسخ الكربونية التي كانت توزع كاشفة مصائب الديكتاتورية، بما فيها النسخ السرية لرواية سولجنتسن “أرخبيل القولاق” التي دست نسخة منها في صندوق جثمانه، ذلك “الكتاب الذي غير عقول الملايين، وجعلهم يعيدون التفكير في ماضيهم وحاضرهم”، كما قال جورباتشوف في رثاء سولجنتسن، وزاد: “قصة حياته نادرة، وسيبقى خالدا في التاريخ الروسي”. ونعته وكالة إنترفاكس الروسية بأنه: “من أول من كشف عن وحشية السجون في زمن النظام الستاليني” وأكبر الشعب من دور المثقفين الأحرار، وشكر تضحياتهم وسجنهم وجهودهم العظيمة، التي قد تبدو أحيانا هوجاء، ولكنها كانت دائما ترمي بشر الاستبداد إلى مزبلة التاريخ بلا هوادة.

* رحلة حياته:

ولد سولجنتسن في القوقاز عام 1918م ونشأ يتيم الأب، فربته أمه المتدينة مع إخوته الثلاثة وأخته، وعلمته القراءة بالانجليزية ـ التي لم يجد الحديث بها حتى بعد إقامته عقدين في أمريكا ـ وصودرت أرض أسرته صغيرا، وكان متدينا في شبابه، يحمل صليبا على رقبته، ثم تبنى الموقف الشيوعي لاحقا، ثم رجع عنه في كهولته أو خريف عمره، وكان منذ مراهقته يأمل أن يكون كاتبا شهيرا، وألف صغيرا ولم يجد من ينشر له، درس الفيزياء والرياضيات في جامعة رستوف، وخدم في الجيش الروسي في الحرب العالمية الثانية، ولم يبال في شعره بفضائع زملائه الروس في بولندا، ولام ـ لاحقا ـ الغرب الذي لم يشارك ولم يبال بالموتى في شرق أوروبا وتأخر عن محاربة النازية، لأن الغرب لا يهتم بالموتى من الآخرين ـ كما لم يهتموا بأحزان الفيتناميين لاحقا ـ كما يقول!

في نهاية الحرب قبض عليه بسبب رسالة كتبها لصديق أظهر فيها عدم الاحترام “لصاحب الشارب” عنى “ستالين”، فحكم عليه بثماني سنين ثم استمرت المعاناة، وعمل مدرسا في المرحلة الثانوية درس الفيزياء والفلك، ثم طور معارفه ودرس لاحقا بالمراسلة في معهد التاريخ والفلسفة، والآداب في موسكو، وبسبب براعته وتفوقه في الرياضيات فقد نجا من الموت، وأحيل لاحقا إلى سجن مخصص للعلماء المساجين بحيث يستفاد من علمهم ويبقون في المعتقل، في ضواحي موسكو.

كان في النهار يعمل في برنامج متقدم جدا في الرياضيات والتقنية: “التعرف على الصوت آليا لتحويله إلى نص” أو: “فويس ريكوجنشن”. وفي المساء كان يجد وقتا للنقاش ولكتابة مخططات مؤلفاته ويكتب الأشعار، في هذا السجن وجد حرية نسبية بحيث أصبح بإمكانه أن يلتقي ليليا بسجينين آخرين كانا مثقفين وناقشا معه جوانب فكرية عديدة وكان من ثمرة هذه النقاشات كتابه: “الحلقة الأولى”. لم تدم هذه النعمة، فقد صدر منه احتقار لعمل القائد العسكري المشرف على المعسكر فنفي إلى سجن سيئ في كازخستان. وعنه وفيه كتب: “يوم في حياة دينسوفيتش” هذا الكتاب الذي قدم كاتبه للعالم، علما بأنه أثير حول النص شائعات تقول بأن الكتاب ليس له، ولم يؤكد لاحقا لا نفي ولا إثبات.

ومن الطريف في مقاومة السجن الذي حرم فيه من الورق والأقلام أنه كان معه سجناء كاثوليكيين من ليثوانيا، وكان كل منهم قد صنع لنفسه من الخبز الممضوغ سبحة يسبح بها، ثم يخفيها تحت فراشه، فاستخدم سولجنتسن هذه التقنية في صناعة سبحة أطول بكثير من سبح الأذكار التي معهم، وأصبح يحفظ مع كل حبة من السبحة جملة أو جملا طويلة، من الكتاب الذي كان يؤلفه، ثم ينتقل إلى الحبة التالية فيحفظ بها مقطعا جديدا، حتى استطاع أن يحفظ مقاطع من كتابه بلغت إثني عشر ألف سطر، أفرغها على الورق بعد خروجه.

ولعل هذا المشهد يذكرك بمعاناة السرخسي الذي أملى كتابه المبسوط من جب، أو ابن تيمية الذي أخذت بعض كتاباته من سجنه وكان سجلها على الجدران، أو جرامشي، أو معاناة سيد قطب، أو مانديلا وتهريبه لكتاباته، أو علي عزت بيجوفتش من الأفذاذ الذين أنجبوا في السجن عملا أو وعيا أو فكرا للعالم، وقاوموا القهر بالمواجهة أو الحيلة.

أصيب فيما بعد بالسرطان وعولج منه في طاشقند 1954م، وشفي وكتب عن هذا كتاب: “عنبر السرطان”؛ عن حاله في المشفى يقارن نفسه بمرضى لهم أقارب يزورونهم ويسألون عنهم، أو سيعودون لهم بعد الشفاء، أما هو فلا أحد له في العالم يسأل عنه، إلا الجواسيس والشرطة تكتب التقارير عنه كل أسبوعين، وإن خرج فسوف يعود لصحراء كازخستان! وفي عام 1956م أفرج عنه زمن خرتشوف، ثم عادت القيود على أعماله عام 1967م بعد تولي بريجنيف بعامين.

وبعد عامين صوت فرع اتحاد الكتاب في بلدته بأغلبية: 5\1 على طرده، وبعد 11 شهرا من ذلك منح جائزة نوبل، وثارت الضجة حول كتاباته، ففي الوسائل الإعلامية وكلها رسمية انصبت عليه سحائب الهجاء والتحقير والتهوين من عمله ومن قدره وعده بعضهم تدنيسا للتراث وللأدب الروسي، أما الكاتب الشجاع وربما الوحيد الذي دافع عنه وأرسل دفاعه للصحافة المحلية فلم ينشر دفاعه، ونشر في خارج روسيا، فنال سخط الحكومة وجمهورها وانعزل بضع سنين في منزل ريفي خائفا يتوجس عواقب كلمة الحق.

وبالرغم من التضييق على سولجنتسن فقد سربت إليه رسائل من الخارج تتضمن الإعجاب بـ: “شجاعته، وأعماله الإبداعية، وتأييده للشعور والكرامة الإنسانية، وفضحه للذين يدوسون الروح والقيم الإنسانية”

الحياة الشخصية لسولنجنتسن ليست فريدة من نوعها في روسيا، فلم ينل الإرهاب الرسمي والعنف المثقفين وحدهم، بل طال فئآت واسعة من الشعب، فقد أهين وعوقب بغير سبب من الشعب الروسي ما يزيد عن ستين مليون مواطن، قضت ملايين منهم نحبهم في سجون أو معسكرات العمل الشاقة التي وصفها الروائي المناضل عن أمته، وكثيرون قبله وبعده، وعدد هائل من المثقفين وقيادات الروس عانوا وسجنوا ونفوا أو أعدموا، و صنع بعضهم أنموذجا للمثقف الصادق العامل لتحرير شعبه من العبودية، سواء كانت القيصرية قديما أو الشيوعية أخيرا، فما إن أهانت القيادة الشعب حتى هانت القيادة، وذلت واستخف بها العالم، لأن من عز شعبه عز، ومن ذل شعبه ذل وأحتقر.

المثقف الروسي يمكن مقارنته إلى حد كبير بالمثقف الفرنسي، أستاذه لغة وفكرا، المثقف الفرنسي الذي صاغ ثقافة القرن الثامن عشر في بلاده، ثم ثقافة التاسع عشر في خارج بلاده وفي العالم أيضا، ذلك المثقف الفرنسي الذي حصل على قداسة اجتماعية لا تنسى منذ زمن فولتير وديدرو، وروسو، ومنتسكيو، الذي صنعوا عقلا جمعيا حرا رمى بالكبت والاستعباد الديني والسياسي خلفه وحرر شعبه، وقد كان التحرير مريرا ومخطئا أحيانا وأجرم بعض قادته، ولكنه في النهاية ألقى بنور من تحرير الإنسان على ظلام أوروبا ورأى الإنسان بعض حقوقه تمارس ويتحدث الناس عنها بعد زمن.

* توظيف الجوائز:

الصراع الأمريكي الشيوعي أعطاه نوبل، كما المواجهة الإسلامية المسيحية اليوم أعطت نوبل للكاتب الكاره للمسلمين نيبول، وللتركي باموك، فلو لم يصرح هذا الأخير بالإلحاد، وبنقده للأتراك ضد الأرمن، لما ذاق طعم شهرتها، وكتاب كثيرون في بلاد العرب والعالم يسلقون العرب والإسلام وأهله بألسنة حداد طمعا في جائزة، وقد نال بعضهم أجره مقدما وآخرون ينتظرون، فهذه الجوائز الأدبية قل أن تعرف البراءة من الرسالة السياسية، بسبب أثرها في مجال الترويج الفكري.

والزمن القادم قد يعد بالكثير من الحروب الثقافية، واستخدام الفن في الحرب الإسلامية المسيحية، وكم نرجو ونتمنى تجنيب الأدب والفن من استخدام السياسة له، ولكن الخبرة الغربية، والسلوك الإمبراطوري لا يفرق بين المسارين، ويعلن لنا كل يوم عن حرب ثقافية، لها وقودها وضحاياها، وغالبا سيكون الأدب والفن أسيرين لهذا الصراع لزمن غير قصير! قد تمر نادرا جوائز، أو تفرض شخصيات نفسها، أو أمم شخصياتها، ولكن هذه استثناءات، وكما كانت نوبل ميدان حرب ثقافية على روسيا، فستكون أيضا ميدان حرب على المسلمين، والمقاومين للسيطرة الإمبراطورية، من أية أمة، ما دامت الشعوب تستنكر الاحتلال والعبودية الاستعمارية، وتحترب مع المسيحية المتطرفة المسلحة والفاشية الصهيونية.

بقي أن نعلم أن مثقفين روسا كثيرين كانوا من آلات الشر التي استخدمها الطغاة الشيوعيون، و وسائل القمع القاتلة للإنسان وللكرامة زمنا، ولكن قيمة المثقف في دوره في تحرير نفسه ومجتمعه من الهوان ومن شرور الاستبداد، وكل مثقف أو زعيم أو كتاب أو مقال نجد قيمته فيما يقدم لنا وللمستقبل من خير نحتاجه ومن روح نحييها ومن شر نخفف منه أو نبعده. ودائما نجد مثقفين باعوا أنفسهم بثمن بخس لشر المستبدين وللهوان والذل والخيانة، وحاربوا أمتهم، بسلاح العدو، وخانوا كرامة الأمة وعزتها، وآخرون نبلاء وأشراف أكرموا أنفسهم وأمتهم فكرّمهم العالم في حياتهم وسيحترمهم بعد مماتهم، وإن قضوا في السجون ردحا من الزمن مثل سولجنتسن.

أهم أعماله: “يوم في حياة إيفان دنسوفيتش” عام 1962م الرواية التي أرسلها إلى صديقه الذي قاسمه الزنزانة أعواما طويلة، والكتاب عن يوم في حياة سجين، بكل ما فيها من شقاء، حيث تكون سعادة المسجون كبيرة لأنه لم يكن في ذلك اليوم في: “زنزانة منفردة، واستطاع أن يسرق قطعة من العصيدة، أو أن يشتري دخانا.” تلك كانت متعة السجين!

وقد تمكن الناشر من أن يطلع خرتشوف على الرواية وأن يقرأها الزعيم السوفيتي بنفسه، ثم حولت كالعادة للرقابة فترددوا في نشرها، وكما أشار الكاتب في مذكراته فقد طلب خرتشوف نشرها، وأنكر على المراقبين، قائلا: “إن في جلد كل منكم ستاليني وحتى أنا في ستالين، ولا بد لنا أن نقتلعه من قلوبنا”! ولعل من الطريف أن أشير هنا إلى الرعب الذي نشره ستالين من حوله، في حياته وبعد موته؛ حتى إن زعماء السوفيت كانوا يتحدثون في غرفة مجاورة للغرفة التي كانت فيها جثته فكانوا يتهامسون بالكلمات خوفا أو رعبا منه حتى بعد * موته!

لقد نشرت نصوص كثيرة رائعة عبر العالم عن حياة المناضلين في المعتقلات، وكانت رصيدا للحرية والأحرار، فرفع الضحايا أعلام الكرامة الإنسانية، وارتفعوا على الفاسدين المستبدين بما تركوه من نصوص خالدة.

ساهم الانفتاح الجزئي في عهد خرتشوف ونقده لعهد ستالين في تخفيف جزئي و مؤقت عن الشعب ومثقفيه، ولكن الدورة دارت وعاد الديكتاتوريون ومنعوا توزيع كتب المؤلف وصادروا مخطوطاته واتهموه بالخيانة الوطنية، وحرموه من عضوية اتحاد الكتاب الروس، ولكنه صور مخطوطاته على مايكرو فيلم واستطاع تسريبها إلى خارج روسيا، وطلب من الناشرين في الغرب ألا ينشروا كتبه المهربة، ولما استجوبت الكي جي بي المرأة التي نسخت مخطوطاته وعذبوها فاعترفت ونبشوا عن النسخ فانتحرت شنقا بعد قليل، ولهذا غير رأيه وأرسل لناشريه في الغرب لينشروا أعماله بعد الكشف عنها، وقد تاجر الغرب بقضيته في الحرب الباردة، وتعاطف معه كتاب أكثرهم يساريون غربيون، وكانت روسيا تراعي مواقفهم من أمثال سارتر وجونتر جراس وآرثر ميلر وجراهام جرين وجون أبديك، فتضامنوا معه، ونادوا بمقاطعة دولية للثقافة الروسية بسبب موقفها من المثقفين وبخاصة سولجنتسن.

* رحلة المنفى:

نال سولجنتسن نوبل عام 1970م ولم يسافر ليتسلمها وبقي في روسيا خوفا من أن يمنعوه إن خرج من العودة، ولكنهم في النهاية أخرجوه من وطنه، بسبب وطنيته وإخلاصه وحميته للشعب المضطهد، ومن عادة المستبد الهلوع المفسد أن يتهم المخلصين بالخيانة لبلادهم؛ لأنه يرى أنه هو الأرض والدولة والناس، ومن كشف خيانته وشنائعه، فقد خان الدنيا كلها، لأن المستبد حلولي العقيدة؛ يرى كل ما يسيطر عليه ملكا له، وجزءا من نفسه وبدنه وماله، فمن أبان عيوبه وفضائعه فقد أساء وأجرم ضد العالم كله، إذ هو العالم والعالم هو، وليس من واجب للجميع إلا الذوبان في رغباته، والخضوع لهواه وشهواته، والتصفيق لحماقاته، غير أن جواب الضمير الحي للمثقف، أن تعالى على دناءة المستبد، وغروره ومرضه، وكشف شروره، فاتهم الكاتب بالخيانة، وحرم من الجنسية الروسية في عام 1974، وأخرج، وفي طريقه إلى الطائرة التي أقلته إلى فرانكفورت ـ في ألمانيا الغربية ـ لبس قبعة مهترئة وجلد خروف كان يستدفئ به في سني منفاه الرهيبة، كان ذلك مظهرا رمزيا لم يصطنع أصله، بل أراد أن يشهد العالم ما كان يحدث له ولقومه من اضطهاد.

توجه لألمانيا ثم سويسرا ثم أمريكا حيث جاء بدعوة من جامعة ستانفورد، ثم انتقل إلى مدينة كافندش في ولاية فرمونت، وهناك قضى ثمانية عشر عاما، وكان منعزلا لا يكاد يقبل مكالمة إلا نادرا، يقضي وقته يفكر ويكتب، حيث بنى ملحقا ببيته خصصه للكتابة، كان يكتب بغزارة، ومن ذلك تاريخه الروائي المطول للاتحاد السوفيتي الذي جاوز خمسة آلاف صفحة، بعنوان “العجلة الحمراء” ولم ينل الكتاب كبير اهتمام من القراء ولا المؤرخين. وكان في منفاه يأمل أن يعود لبلده قريبا، ولم يقبل الجنسية الأمريكية، وعاش غريبا في ملاذه هذا، وأوضح: “إنه من أجل أن يكون مقبولا في الغرب فقد كان عليه أن يتخلى عن طريقة حياته وكتبه.” وكان يرى الخلاص لبلاده وغيرها في التمسك بالقيم المسيحية، وليس بعيدا أنه حن لثقافة شبابه المبكر، أو استعاد قيم وروح تولستوي الدينية، وقد كان يحاول أن يتشبه به.

كان في منفاه يقضي وقته مع أسرته بادئا يومه بالصلاة أن يعود لموطنه، وساعدته على هذه الحياة زوجته ـ الثانية ـ التي ناضلت معه سرا من قبل في نشر كتاباته، التي كانت تهدم الاستبداد، وقد حررت ونسخت من كتبه عشرين مجلدا، ونشر منها أكثر من ثلاثين مليون نسخة، وترجمت لأربعين لغة. وقد عملت زوجته وعلمت أطفاله اللغة الروسية، وأدارت أعماله، وتبرعت بعائدات كتابه المهم “أرخبيل القولاق” ـ أكثر كتبه انتشارا ـ لجمعيات ترعى المساجين السياسيين وعائلاتهم.

أثناء إقامته في المنفى لم يستسغ الحياة الأمريكية ولا ماديتها التي يراها متوحشة، قال في حفل التخرج في جامعة هارفرد ـ حيث منح شهادة تقديرية من الجامعة ـ عام 1978: إنها بلد غارق في مستنقع مادي بشع، وانتقد الموقف الحكومي الأمريكي والشعبي من حرب وتدمير فيتنام، وانتقد الإعلام الأمريكي المتعدي على خصوصيات الناس، ولم يكن راضيا عن أحد لا حكومة بلاده ولا الغرب ولا الليبراليين ولا المحافظين ولا العلمانيين ولا الرأسماليين، ولا مجتمع المستهلكين.

* موقفه من اليهود:

كان كارها لليهود، ولهذا حذر هنري كيسنجر الرئيس فورد من مقابلته في مذكرة سرية، وكان من المفترض أن يقابله، وعلل ذلك بأن مقابلته سوف تفسر على أنها إهانة للاتحاد السوفيتي، ولحلفاء أمريكا، ولعل السبب الحقيقي هو موقفه من اليهود، وكيسنجر من متعصبيهم، وقد استجاب فورد لرأي كيسنجر ولم يلتقيا.

كتب سولجنتسن لاحقا كتابا في مجلدين عن العلاقة الروسية بيهود روسيا، بعنوان: “مئتا عام معا” حيث اتهمهم بالجبن في الحرب والتملص من الخدمة العسكرية، ولم يبالغ في المؤامرة كما رأى نقاده، ولكنه اتهم بعضهم بإفساد القادة والثورة الروسية الأولى عام 1905 ثم الثانية عام 1917. وهذا الكتاب من نتاج اهتمامه وكتابته الكثيرة عن تاريخ روسيا، وما يراه من تصحيح الأخطاء الغربية تجاه تاريخ بلاده، وقد فسر موقفه من الاستبداد الروسي وسخطه على الغرب بعد معيشته فيه، بأنه كان بسبب ما يراه من الانحطاط الخلقي الغربي والإلحاد، و”اللا أدرية” وضعف الإرادة، أو منطلقا من خليط من نوازع دينية ضد المستبد، و بسبب الانهيار الروحي والأخلاقي الذي شهدته روسيا والغرب.

زعم سولجنتسن أن الثقافة الروسية مضطهدة من قبل ثقافة الأقليات، لأنه كان قوميا يؤمن بعلو الشعب الروسي على غيره، وتماسك مكوناته القومية والكنيسة الأرثوذكسية، وأن على الغرب أن يعتبرهما حلفا لا عدوا، وكان من نقده للماركسية أنها ثقافة عنيفة بذاتها، قبل عنف الممارسة، وأنها أقامت من العنف الثوري مالا يمكن مقارنته مع العهد القيصري، ولم يكن راضيا عن تطور الموقف الغربي من بلاده، في تطوراتها الأخيرة، فقد كان الكاتب منضويا تحت الموقف الروسي ـ خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ـ ضد المواقف الغربية، ومن ذلك موقفه من الصراع في صربيا وكوسفو، حين شبه الناتو بالنازية، وقال عن الدعاية الديمقراطية الغربية بعد ضرب صربيا: “الديمقراطية لا تساوي فلسا إذا غرست بالحراب”.

وله رأي عن الفرق بين الديكتاتورية الروسية والأمريكية وهو أن الأمريكيين مسيطر عليهم برضاهم ويقبلون الديكتاتورية باختيارهم، ويرى أن الغربيين يفتقدون للشجاعة والرجولة، ويخطئون حين يقيسون حضارات العالم بمقياسهم وبحسب أنموذجهم. وانتقد الحرفية القانونية التي تمنع صعود النبوغ الإنساني، فشنع به لاحقا بعض المثقفين الأمريكان و وصفوه بأنه كان متعجرفا ومتنفجا قوميا وعدوا لليهود. وينعى عليه الغربيون تصاعد الشعور القومي الروسي لديه بعد سقوط روسيا، مما جعله يثني على بوتين لمحاولته المحافظة على ما بقي أو استعادة أمجاد الوطن الذي انهارت أساطيره.

* عودته:

أعيدت له جنسيته عام 1990م بعد انهيار النظام الذي حاربه وعند عودته إلى بلاده عام 1994 أحبه الناس وأحسنوا استقباله، لكونه رمزا لمكافحة الاستبداد، وأظهرت أحد الاستبيانات رغبة الكثيرين أن يكون رئيسا لروسيا، ولكنه قابل ذلك ببرود. وحاول أن يشارك في الحركة السياسية والفكرية، فقدم عند عودته برنامجا تلفازيا لمدة خمس عشرة دقيقة مرتين في الأسبوع لمدة عام باسم: “لقاء مع سولجنتسن” ولم ينل البرنامج اهتماما فألغي بعد عام. وقد اهتم باستعادة مجد بلاده روسيا فكتب كتاب: “إعادة بناء روسيا”، وكتب: “روسيا في السقوط” وقبيل وفاته بدأ نشر مجموعة أعماله في 30 مجلدا، ويعمل ابنه في ترجمتها إلى الانجليزية.

وقد مات في4\م عن أكثر من 89 عاما، وسيذكر له العالم موقفه المشرف والصريح في عدم المشاركة في كذب الحكومة على الناس، وأكد على مسؤلية الكتاب في هزيمة الأكذوبة الرسمية.

إن المثقف في النهاية معبر عن موقف أخلاقي لنفسه ولمصالح أمته، ولسيادة الحرية والكرامة لبني الإنسان. وإن مصالح البشرية وسعادة الإنسان بأشد الحاجة للمواقف الأخلاقية للمثقفين، وأن يجعلوا من مواقفهم قوة تنقذ وتصلح وتحترم، ويوم يفقد المثقف القوة الأخلاقية، فلا يرقب احتراما من أحد.

من مراجع الورقة:

التخليص الذي نشر لحياته وأعماله في كتاب عن مؤسسة الأهرام، وما كتب عن نفسه من نصوص عديدة. وترجمته هو لنفسه، ومقالات عديدة نشرت في نعيه من أطولها ما كتبه: مايكل كوفمان وآخرون، في جريدة: نيويورك تايمز: “سولجنتسن عملاق الأدب الروسي الذي تحدى السوفيت” 4\8\2008م.

د. محمد بن حامد الأحمري

موقع مجلة العصر.

موريتانيا…انقلاب عسكري جديد

اغسطس 9, 2008

موريتانياانقلاب عسكري جديد

الرئيس الموريتاني المنتخب سيدي م�مد ولد الشيخ عبد الله يؤدي اليمين الدستورية

الرئيس الموريتاني المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله يؤدي اليمين الدستورية

موريتانيا الدولة العربية الوحيدة، التي فاز فيها الرئيس في انتخابات رئاسية، لم تكن نتائجها محسومة، ولم تتجاوز نسبة 50% إلا قليلا، دخلت مجددا دوامة الانقلابات العسكرية، بعيد إعلان الرئيس محمد ولد الشيخ إقالة الجنرالين محمد ولد عبد العزيز قائد الحرس الرئاسي، ومحمد ولد غزواني قائد الجيش، وكلاهما كان عضوا في المجلس العسكري الانتقالي، الذي قاد المرحلة الانتقالية الديمقراطية في موريتانيا من 2005 إلى 2007.

الضباط المتمردون أصدروا البيان رقم واحد، معلنين تشكيل مجلس دولة، برئاسة الجنرال المقالمحمد ولد عبد العزيز، مؤكدين إلغاء قرارات الرئيس السابق“. الانقلاب، وبغض النظر عن مبرراته ودوافعه، وجّه للتجربة الديمقراطية الموريتانية، التي شكلت سابقة مضيئة ـ في عالم عربي يفتقر للديمقراطية بل وحتى بعض جمهورياته سلك سبيل التوريث ـ طعنة قاصمة وضربة قاسية.

الانقلاب العسكري جاء بعد أزمة سياسية عصفت بالبلاد، لم تستطع الديمقراطية الناشئة حلها والتعامل معها، في بلد يئن تحت أزمات اقتصادية خانقة، وتتحكم في مفاصله المواريث القبلية والعلاقات والمصالح المتشابكة.

تشكلت الحكومة الموريتانية الأولى في عهد محمد الشيخ برئاسة زين ولد زيدان، المرشح الرئاسي في الجولة الأولى، والذي دعم الشيخ في جولة الانتخابات الثانية، كنوع من التسوية السياسية. بعد نحو عام، قدمت حكومة زيدان استقالتها بعد اتهامات لها بسوء التدبير.

تشكلت الحكومة الثانية بقيادة يحيى الواقف، لتضم تيارات متناقضة شملت معارضين إسلاميين ويساريين ورموز من عهد الرئيس المخلوع معاوية الطايع ممن اشتهروا بالفساد, في محاولة لتوسيع قاعدة الحكم. الحكومة الثانية بتلك التوليفة أشعلت نقاشات حادة في البرلمان والبلاد وتم التهديد بحجب الثقة عنها. وقد اتهم رئيس حزب الأغلبية البرلمانية الجيش بالإعداد لانقلاب سياسي، بحثه نواب الأغلبية على إعداد مذكرة لحجب الثقة عن الحكومة.

أما رئيس اتحاد قوى التقدم محمد مولود والمشارك في الحكومة فقد اتهم ضباطا في الجيش بالسعي إلى إذلال رئيس الجمهورية عبر مذكرة حجب الثقة عن الحكومة. الضغوط الكبيرة، اضطرت الرئيس الشيخ لإعادة تشكيل الحكومة من دون الإسلاميين واليساريين، غير أنه يمسك برئيسها الواقف“.

بقيت أجواء الاحتقان وعدم الثقة سائدة في الوسط السياسي، وهدد الرئيس الموريتاني بحل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة. قبل يوم من الانقلاب العسكري، قدم 48 من نواب حزب العهد الوطني، الذي يشكل الغالبية النيابية في البرلمان، استقالتهم من عضوية الحزب.

معارضو الرئيس المخلوع يتهمونه بالفشل في إدارة البلاد وبالفساد والمحسوبية واستغلال السلطة. اتهام أعضاء مجلس الشيوخ لهيئة ختو بنت البخاريللأعمال الخيرية، التي تعود لعقيلة الرئيس، بالفساد واستغلال السلطة، مما حدا بزوجة الرئيس إلى التهجم اللاذع عليهم، الأمر الذي انعكس سلبا على صورة الرئيس ومكانته. أما مؤيدو الشيخ، فيقولوا إنه أراد أن يمارس حقوقه الرئاسية الكاملة، ورفضه لأن يكون دمية بيد الجيش أدى للانقلاب عليه.

موريتانيا دخلت مرحلة من الاضطراب السياسي، يتحمل جزءا كبير ا منها الرئيس المخلوع، الذي لم يستطع، مع الاعتراف بقصر فترة رئاسته، أن يقوي موقفه، بانجازات تنعكس إيجابا على حياة المواطن، وأراد القفز من غير تدرج على موازين القوى في مواجهة قوة العسكر المتجذرة، بالاستناد إلى شرعية صناديق الاقتراع، وإلى تجربة ديمقراطية غضة لم يشتد عودها بعد.

العسكر، الذين حازوا على إعجاب كبير لتحقيقهم وعودهم الديمقراطية من قبل، سيجدون من يدعمهم من السياسيين المتناطحين، غير أنهم أصابونا بخيبة كبيرة.


بقلم : ياسر سعد

مجلة العصر

سهو الفكر ، هل تشعر أخي القارئ بما أشعر به؟

اغسطس 5, 2008

سهو الفكر

صلى الوليد بن عقبة بالناس الفجر، فصلى أربعاً وكان ثملاً ، ثم التفت، وقال: أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة!
وقال الحطيئة:

شَــهِدَ الــحُطــــَيئَـــةُ حيـنَ يَلقى رَبَّهُ

أَنَّ الـــوَليــــدَ أَحَــــــقُّ بِالـــعُـــــذرِ

نـــــادى وَقَـــد كَـــمـــُلَت صـــَلاتُهُمُ

أَأَزيـــدُكُـــم ثَـــمـــِلاً وَمـــا يَــــدري

لِيــــَزيدَهُم خَــــيراً وَلــــَو قَبـــِلـــوا

لَــقـــَرَنـــتَ بَـــينَ الشــَفعِ وَالـــوِتـرِ

فَــــأَبَوا أَبا وَهَـــبٍ وَلَـــــو فَـــعَــلوا

زادَت صــــَلاتُهـــُمُ عَلى الــعَشــــرِ

كَــفـــّـــوا عِنـــانَكَ إِذ جَــــرَيتَ وَلَو

خَلـــَّوا عِنــــانَكَ لَــــم تَزَل تَـــجري


وصلى بنا المؤذن ذات يوم، فقام إلى خامسة، وقام الناس معه حتى إذا قضى شطراً من ركعته، تجرّأ رجل فسبّح ، فضجّ الناس بالتسبيح، فقعد وسجد للسهو، وسلم.
تساءلت: لماذا سكت الناس ، ثم سبّحوا جميعاً حين سمعوا الرجل يُسبّح؟ والسبب أنهم كانوا غير جازمين بالسهو.. بل هم يظنون أو يترددون أو يتساءلون.. حتى إذا سبح رجل جاء على ما في نفوسهم فشجعهم على التسبيح، لأنه كان جازماً، وعزيمته تعززت بموافقتهم له.
وربما سبّح رجل فسكت الناس ولم يسبحوا معه، لعدم ورود الظن عندهم، فسكت هو، ومضى الإمام في صلاته.
هذا في الصلاة وسهوها، ولعله يصح أن يقال في سهو الفكر والعمل نحو هذا، فإن الناس يكونون على رأي سائد، لا يجرؤون على مراجعته أو فحصه، يهرم عليه الكبير ، وينشأ عليه الصغير، فإذا تجرأ أحد ونقده، وكان لهذا النقد نصيب من النظر والصدق، وجدت من يقول له: سبحان الله، صدقني هذه الفكرة كانت عندي، ولكنني كنت متردداً في عرضها، متخوفاً من رفضها، متهيباً خجولاً، فلما سمعتها منك تعزز عندي صوابها.
وقد يقول أحد رأياً أو اجتهاداً فيمحوه الزمان, ولا يلتفت إليه أحد لعدم توفّر الأدلة عند السامعين على صحته، إما لعدم وجود الأدلة أصلاً، أو لعدم إطلاعهم عليها.
وهذا يفسر انتشار قول ما في زمان، وضموره في زمان آخر، فالعبرة بقادة الرأي والفكر متى كانوا متصفين بصفتين:
أولاهما: الرّيادة التي تقتضي عدم الركون إلى المألوف، وعدم الثورة على المألوف، بل الإلف ينبغي ألا يكون دافعاً إلى الرفض ولا إلى القبول بذاته في مجال الأفكار والآراء.
والتمرّد على المألوف لكونه مألوفاً هو منبوذ، كقبول المألوف لكونه مألوفا، كلنا يتأثر بالإلف، لكن علينا التيقظ لهذا التأثر وتقليل حدته سلباً أو إيجاباً.
الثانية: الجرأة في العرض والتغيير التي لا يعني الانقلاب الفوري، ولا تعني الذوبان، حتى إن بعض أهل الرأي والفكر قد يضعف إيمانه بفكرته أو يموت، لأنها ليست فكرة حيوية مؤثرة، وصاحبها يائس، لا يزيد على همس في أذن قريبة.. يتبعها تحذير..
حتى صدى الهمسات غشاه الوهن..
لا تنطقوا إن الجدار له أذن
أنبياء الله ورسله جاءوا بالبيّنات والزبر والكتاب المنير ، ودعو ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، وصبروا وتلطفوا، ولم يحملهم عنف المخالف على تجاوز ما أمروا به، ولا استفزّهم جلب الخصوم، وكان خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم الأسوة في ذلك في تحرير العقول وكشف الظلمات عنها، ورسم الإطار المحدد لأدائها، وقد قال له ربه: وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ[الأنعام-35-36] صدق الله العظيم.

د. سلمان بن فهد العودة

1/8/1429  —- 02/08/2008