أرشيف ‘فكرية’ التصنيف

حكم الله أم حكم الشعب؟

مايو 29, 2009
حكم الله أم حكم الشعب؟*


قضية الحاكمية من القرن الأول الهجري تؤرق المؤمنين ، وقد وقع بعضهم من فرط غيرتهم في تكفير غيرهم من هذا الباب.
وفي زماننا هذا قد برزت مسألة الحاكمية مع استشهاد المفكر العظيم سيد قطب -رحمه الله- الذي كان يؤكد في آخر حياته على هذا المعنى.

لن يكون المقال لمناقشة مسألة الحاكمية نفسها ، فمن لا يؤمن بأن الحكم لله ، فهل يصح بعدها دخوله تحت اسم المسملين؟

وقد قرأت في كتب عدد من المفكرين والعلماء في إجابتهم على هذا السؤال ، مقابل اللغط الحادث منذ زمن عن الديموقراطية. وآخر ما قرأته كان الكتاب الفذ الرائع لنواف القديمي أشواق الحريةوقد قرأته للمرة الثانية قبل أيام ، وهذا المقال قراءة في نقطة من النقاط المثارة في مسألة الديموقراطية من خلال هذ الكتاب.

وكما يذكر الأستاذ نواف القديمي في كتابه أن الحركات الإسلامية في غير السعودية ، قد تجاوزت الرفض أو التوقف في مسألة الديموقراطية ، إنما المستشكلون هم من بعض دعاة وعلماء هذا البلد.

بالطبع حججهم كثيرة ليس المجال هنا لحصرها ، إنما فقط أعجبتني لفتتة ذكية جدًا من الأستاذ نواف القديمي في رده على إحدى كبرى الإشكالات التي تطرح في مسألة الديموقراطية ، وهي القول بأن ترجمتها حكم الشعبوالرافض لها يستخدم هذا المعنى مقابل حكم الله، فتكون المسألة في تصوره أنه إما: حكم الله أو حكم الشعب؟

هكذا أتى السؤال ابتداءً ، ولكن لم يتساءل أحد ما ، هل يصح أن يكون السؤال بهذا الشكل؟

حقيقة أنني شخصيًا ورغم أني أقرأ منذ بضع سنوات ما أقع عليه في مسألة الديموقراطية ، واهتمامي بما يكتب عنها ، كنت أجيب منساقًا مع نفس السؤال ومسلمًا بصحته!

بينما اللفتة الرائعة التي ذكرها الأستاذ القديمي في كتابه ، أن هذا السؤال بهذه الطريقة خاطئٌ جدًا ، إذ السؤال ليس حكم الله أم حكم الشعب؟، إذ المقابلة هنا مقابلة بين جنسين مختلفين وليس بين نوعين مختلفين.

فحكم الله وشريعته يقابله القوانين الوضعية، وحكم الشعب يقابله الحكم الفردي المتغلب“.

حيث أنه لا يعرف أبدًا في التاريخ غير طريقتين للحكم ، إما طريقة الاختيار والشورى والبيعة والعقد ، أو طريقة التغلب بالقوة وفرص السلطة بالسلاح. ولم يعرف قديما ولا حديثًا ولا يصح عقلا ولا شرعًا أن حكم الله يقوم بذاته ويفرض نفسه بنفسه.
بينما الله جل جلاله هو المتصرف في كل شيء وله الحكم المطلق والملك المطلق والتصرف المطلق الذي لا ينازعه فيه أحد ، وهو الحكيم الذي جعل للبشر حق الاختيار ، فمن شاء منهم أن يؤمن ومن يشاء فليكفر ، وإنما على الرسل البلاغ.

فالناقد للديموقراطية من خلال سؤاله هذا ، يجب أن يضع في باله مُسَلَّمَتين ، أن هناك طريقتين للحكم لم تعرف التجارب البشرية غيرهما: إما الاختيار ، أو التغلب.

وأي منهما لا يسمى بأنه حكم الله ولا القوانين الوضعية ، إذ أن الحاكم المتفرد المتغلب يستطيع بصلاحياته المطلقة تغيير ما يشاء وتقرير ما يشاء ، فله أن يعبث بالشريعة ويلغي منها ما شاء حتى لو وضع أن المادة الأولى في الدستور أن الإسلام دين الدولة، لأنه لا رادع له من العبث حسب مزاجه ، وكما قال الشاعر المفتري المقتات على موائد الجبابرة في ثنائه على أحد السلاطين المتفردين:

شئت لا شاءت الأقدار ** فاحكم أنت الواحد القهار

والتاريخ يثبت كم جر حكم التغلب الويلات على الناس ، والشاذ من قاعدة التجبر في حكم الفرد المطلق هو دليل على صحة قاعدة أن “السلطة المطلقة مفسدة مطلقة”.

وفي المقابل فإن حكم الشعب تكون له أفضليته الفارقة ، إذ في الديموقراطية هناك فصل السلطات الذي يضمن عدم استبداد جهة على جهة ، فالسلطة التنفيذية والحاكم مجبران على الرجوع إلى المجلس التشريعي والخضوع للنظام القضائي ، وتكون هذه الجهات ممثلة لهموم الشعب وليست لأهواء الحاكم.

فلو تأمل الناقد بطرحه هذا السؤال قليلًا ، لجعل السؤال بهذه الصورة: ( من الذي يعهد إليه تطبيق الشريعة ومن يختار حكم الله؟ أهم الشعب؟ أم الحاكم الفرد المتغلب؟ )
وفي المقابل فإن صراع الحاكمية يجب أن يكون مقابل القوانين الوضعية وليس حكم الشعب ، إذ الشعب هو من يقرر الإلتزام بالشريعة من عدمها ، كما هو الحال في حكم التغلب فالحاكم الفرد هو من يقرر هل الحكم لله أم للقوانين الوضعية.

وأفضلية النظام الديموقراطي الانتخابي لا تحتاج إلى تدليل ، إذ هي تستند إلى الناس وليس إلى هوى فرد ، وقد جاءت الأدلة من الكتاب والسنة على تأكيد أفضلية هذا المعنى.
وأختم المقالة ببعض النصوص التي تدلل على خيرية الأمة بمجموعها وإجماعها. وكأن بعضها نصوص في تقرير النظام الديموقراطي ومسايرة رأي أغلبية المسلمين:
منها قوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس }.
وقوله عليه السلام: [
لا تجتمع أمتي على ضلالة ويد الله مع الجماعة ].
وقوله عليه السلام: [ إن أمتي لا تجتمع على ضلالة ، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم ].
وقوله عليه السلام: [ عليكم بالجماعة ، وإياكم والفرقة ].
وقد ثبت في الصحيح [ أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال : وجبت وجبت ثم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال : وجبت وجبت قالوا : يا رسول الله ما قولك وجبت وجبت ؟ قال : هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت : وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت : وجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض ] .

*أغلب ما جاء في المقال هو إعادة سياق لما في كتاب القديمي.

ولكم التحية.. وليد.

الفقه الذي نحتاج هو الفكر

ديسمبر 28, 2008

حاجتنا إلى فقه جديد

الأزمة الفكرية:
إن المجال الأول -الذي تحتاجه الأمة- في رأيي هو مجال الفكر, فهو الأساس للبناء الدعوي والبناء التربوي. الذي يبدو لي أن أزمتنا الأولى أزمة فكرية , هناك خلل واضح في فهم كثيرين للإسلام, وقصور واضح في الوعي بتعاليمه, ومراتبها, وأيها الأهم وأيها المهم، وأيها غير المهم. هناك عجز في المعرفة بالحاضر المعيش , والواقع المعاصر.
هناك جهل بالآخرين , نقع فيه بين التهويل والتهوين، مع أن الآخرين يعرفون عنا كل شيء, وقد كشفونا حتى النخاع !
بل هناك جهل بأنفسنا، فنحن إلى اليوم لا نعرف حقيقة مواطن القوة فينا، ولا نقاط الضعف لدينا، وكثيرا ما نضخم الشيء الهيّن ء وما نهون الشيء العظيم، سواء في إمكاناتنا، أم في عيوبنا .
وهذا الجهل لا يقتصر على الجماهير المسلمة ، بل يشمل الطليعة المرجّوة لنصرة الإسلام، والتي تمثل الركائز التي يقوم عليها العمل الإسلامي المنشود .

حاجتنا إلى فقه جديد:
الحق أننا في حاجة إلى فقه جديد، نستحق به ن نكون ممن وصفهم الله بأنهم (قوم يفقهون). فليس مرادنا بالفقه : العلم المعروف الذي اصطلح على تسميته (فقهاً) والذي يعني : معرفة الأحكام الشرعية الجزئية من أدلتها التفصيلية, من مثل أحكام الطهارة والنجاسة والعبادات والمعاملات وأحكام الزواج والطلاق والرضاع وغيرها . . .
فهذا العلم _ على أهميته _ ليس هو مرادنا بالفقه , وليس هو المراد بكلمة (الفقه)حيث ورد في القرآن والحديث، وإنما هي مما بدّل من الأسامي والمفاهيم, كما بيّن ذلك الإمام الغزالي في كتاب (العلم) من موسوعته المعروفة (إحياء علوم الدين). إن القرآن ذكر مادة (ف ق هـ) في سوره المكية قبل أن تنزل الأوامر والنواهي التشريعية التفصيلية, وقبل أن تفرض الفرائض, وتحد الحدود, وتفصل الأحكام. إقرأ قوله تعالى في سورة الأنعام, ومكية: ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أومن تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض, أنظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون) (الأنعام: 65) واقرأفي السورة نفسها: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة، فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون) (الأنعام: 98). والفقه في الآيتين معناه: المعرفة البصيرة بسنن الله في الأنفس والآفاق وسنن الله في خلقه, وعقوباته لمن انحرف عن صراطه.
واقرأ في سورة الأعراف _وهي مكية_ قوله تعالى في ذم قوم جعلهم حطب جهنم فكان من وصفه لهم بأنهم ( لهم قلوب لا يفقهون بها) ثم قال عنهم: (أولئك كالأنعام بل هم أضل) واقرأ في أكثر من سورة موقف المشركين من القرآن, وقد عبّر الله عنه بقوله : (وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا) (الأنعام : 25، والإسراء, : 46, والكهف : 57).أما في القرآن المدني فقد تكررت المادة في عدد من السور كلها تنفي (الفقه) عن المشركين والمنافقين. ففي سورة الأنفال يخاطب الله رسوله والمؤمنين بقوله: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين, وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون) (الأنفال : 65).
فنفي الفقه عن المشركين المحاربين هنا, يراد به الفقه في سنن الله في النصر والهزيمة, ومداولة الأيام بين الناس.
وفي سورة التوبة ذم الله المنافقين بقوله: (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ) (التوبة : 87). فالفقه المنفي هنا هو الفقه في ضرورة الجهاد والبذل لحماية الدين والنفس والعرض, وكيان الجماعة, وأنه مقدم على أية مصلحة فردية عاجلة أخرى.
وفي نفس السورة وصف بهذا الضعف بقوله تعالى: ( وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض: هل يراكم من أحد؟ ثم انصرفوا, صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون) (التوبة :127). فقد غاب عن هؤلاء المطموسين أن الله يراهم قبل رؤية الناس, ولكنهم فقدوا الفقه والفهم حقا. وفي سورة الحشر يتحدث عن المنافقين مخاطباً المؤمنين : (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله, ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) (الحشر: 3ا).
وفي سورة المنافقين قال تعالى . (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع الله على قلوبهم, فهم لا يفقهون) (المنافقين : 3).
وفي السورة نفسها : ( وهم الذين يقولون : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا, ولله خزائن السموات والأرض , ولكن المنافقين لا يفقهون) (المنافقين: 3).
وفي السورة نفسها: (وهم الذين يقولون: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، ولله خزائن السموات والأرض، ولكن المنافقين لا يفقهون) (المنافقين:7).
وبهذا كان لأهل النفاق حصة الأسد من هذا الوصف القرآني بأنهم (لا يفقهون). ذلك لأن المنافقين يتوهمون أنهم أذكياء وأنهم استطاعوا أن يلعبوا على الحبلين، و ويعيشوا بوجهين، وأنهم خادعوا الله والذين آمنوا، فإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا وذا خلو إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم.
ولكن الله تعالى هتك سترهم, وفضح ذبذبتهم, وكشف خداعهم في آيات كثيرة : ( يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا نفسهم وما يشعرون) (البقرة : 9) .
المهم أنهم فضحوا عند الله وعند الناس، وخسروا الدنيا والآخرة , وحق عليهم أنهم في الدرك الأسفل من النار، فأي غباء أكبر من هذا الغباء؟ ولا ريب أن من كان هذا وصفه ليس عنده شيء من الفقه .

الخلاصة:
أن الفقه في لغة القرآن ليس هو الفقه الاصطلاحي، بل هو فقه في آيات الله وفي سننه في الكون والحياة والمجتمع . حتى التفقه في الدين الذي ورد في سورة التوبة ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين, ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (التوبة :122).
لا يقصد به الفقه التقليدي: فإن الفقه لا يثمر إنذاراً يترتب عليه حذر أو خشية، بل هو أبعد شيء عن أداء هذه الوظيفة، التي هي وظيفة الدعوة.
ومثله قوله -صلى الله عليه وسلم-” ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين“. والمعنى أن ينير الله بصيرته فيتعمق في فهم حقائق الدين وأسراره ومقاصده ولا يقف عند ألفاظه وظواهره.

الشيخ/ يوسف القرضاوي

لماذا نكتب؟ ولماذا لا نكتب؟

اغسطس 14, 2008

لماذا تقول رأيك؟ وأقول رأيي؟

ألم يجيء في بالك يوما من الأيام هذا التساؤل؟

هل روادت الشكوك يوما من الأيام حول أهمية الكتابة وقوة تأثيرها؟

ألم تشعر يوما من الأيام بأن كتاباتك دون المستوى الذي تطمح إليه ودون كثير من الكتابات التي تقرءها وتحبها؟

إنني شخصيا ، تجيء في بالي هذه الهواجسوتصيبني بالملل والبرود أحيانا! ولكن لو جئنا من زاوية أخرى إلى موضوع الكتابة وتأملناه لرأينا جانبا مشرقًا يستحق الوقوف معه.

سمعت قصة بالأمس لا أدري عن مدى صحتها ولكن فيها عبرة:

ذكر لي صديقي أن الخليل بن أحمد مؤسس علم العروض والخبير الأول والذي لا مثيل له بالشعر العربي ، حيث حفظ أشعار العرب كلها ، وهو المتذوق المذهل للشعر ويعرف القيِّم من السقيم فيه.

يقول أنه كان يكتب الشعر ويقوله ثم يتأمل ما قاله فيجد أن من سبقه كتب أحسن منه فلا ينشره!! وهكذا يتكرر المشهد معه كثيرا وفي الأخير لا ينتج شعرًا ولم ينتج شعرًا.

لعل القارئ لا يقف عند شخصية القصة ، لأني مثله أشك بأنها صحيحة وربما أن صاحبي أخطأ ولم يكن الخليل هو صاحب القصة ،لأن للخليل قصائد معروفة مثل قوله:

إذا كنت لا تدري ولم تك كالذي *** يشاور من يدري فكيف إذن تدري
جهلت فلم تدر بأنك جاهل *** وأنك لا تدري بأنك لا تدري
ومن أعظم البلوى بأنك جاهل *** فمن لي بأن تدري بأنك لا تدري
رب امرئ يجري ويدري بأنه *** إذا كان لا يدري جهول بما يجري

المقصود من إدراجي لهذه القصة ، أن نتأمل فعلا في هل هذا العمل يجدي نفعا أم لا؟

لو أن كل شخص فكر بهذه الطريقة هل كان هناك نتاج فكري وثقافي وأدبي تفخر به الأمة؟

يعلم الإنسان دائما أن قدراته محدودة ومحصورة وهذه سنة الله في الخلق أن لم يجعل منهم أحدا كاملا ، فله الكمال المطلق -جل وعلا- ، ولو كمل بعض البشر في بعض الجوانب مثل الأنبياء فيما يبلغون عن ربهم.

وأيضا لن يكون الإنسان قامة وقمة بسرعة الضوء وبطريقة مذهلة ، بل لابد من تعويد النفس وتطوير مهاراتها ، ولن يكون ذلك بدون التجريب والإنتاج ثم نقد الذات والتصحيح الجريء.

من المشكلات التي تنتشر في بيئاتنا هي تحطيم الذات ودفن المواهب وكبت الطاقات ، عندما يقول امرؤ رأيًا ما ، فإنه يواجه بسلاح المقدس والصنم ، ذاك الصنم هو الشخصية التي تمتلك هيبة عند قوم ما ، والتي يكون قولها هو الفصل وهو الحق ومخالفته مخالفة للصواب!! وقد يواجه بمعوقات أخرى مثل التسفيه والتحقير والاستهزاء!!

قد يكون من الناحية الموضوعية والعلمية أن ذاك الصنمرأيه هو الصواب وهو الأقرب للحقيقة وعند التأمل يترجح رأيه ، ولكن هل طريقتنا في التعامل معها صحيح أم خاطئ؟

إنه لا نهاية للفكر والعلم والعقل والفهم ، ومن زعم ذلك فقد وقع في خطأ عظيم ، وبديهي من هذه الفكرة البديهية أن أقوال الأشخاص ليست نهاية العلم وليست القول الفصل الذي يميز الحق من الباطل ، بل تبقى أقوالهم اجتهادا منهم فيها نسبة خطأ وصواب. فالبشر أشخاصهم فعلا محدودة الفكر والفهم ولكن الفكر والفهم غير محدود.

ولذلك فإن مواجهة الآراء بسلاح الصنمليست إلا خطوة في تحطيم الإبداع ودفن للمواهب ، ولن تنمو هذه الطاقات وتتفجر إلى في جو من الأمن الذي يكفل لكل شخص أن يقول ما يراه صحيحا.

والإيمان بهذا والعمل على توفيره في بيئة ما سيجعل منها جوا صحيا يدار الخلاف فيها بطريقة جادة ومثمرة ، وتجعل من الأفكار الإبداعية التي تنمو في هذه الجو عملا على أرض الواقع وتفوقا وإنجازا غير متناهي. بخلاف عندما يتم كتم وكبت هذه الإبداعات.

المسيري سيبقى خالدًا

اغسطس 4, 2008

لم يكن يوم الخميس الثامن والعشرين من شهر جمادى الآخر يومًا عاديًا ، ولم يمر ولا ما بعده من الأيام كغيره من الأيام ، إنه لم تحدث تلك الهزة الأرضية التي استيقظ الناس على إثرها ، ولم تقم حربا كونية تأكل الأخضر واليابس ، ولكنها هزة من نوع آخر ، وللأسف أنني لا أستطيع أن أمثل هذا الحدث إلا بالتصوير المادي البحت والتشبيه بمثل هذه الأحداث لتقريب الصورة إلى عزيزي القارئ.
إننا معشر البشر لا زلنا غير واثقين من قوة الفكر والعقل والفهم ، بل نفكر بصورة غابوية بطريقة أيهما الأقوى ومن يملك عضلات أكبر ، إن صورتنا عندما كنا أطفال ونحن نتجادل مع أترابنا عن أيهما أفضل سيارة أبي أم سيارة أبيكلم تتغير عند من بلغوا سن الرشد وهم يستعرضون الصواريخ ويرد عليهم الجار باستعراض طائرة!!
هكذا للأسف يفكر بعض البشر الآن ، وضاعت القيم الإنسانية الفطرية السوية وساد مذهب ولغة القوة المادية على أصل التمييز الإنساني للإنسان ، حتى أن مقولة الملائكة في البشر لا زالت موجودة في حق بعضهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ولم يتعلموا ويسيروا في طريق والدهم وعلم آدم الأسماءلغة العلم والمعرفة والفهم والعقل.
بل وحتى كثير من المسلمين الذين يفترض منهم أن يكونوا الأمة التي تقود العالم وتصلح في الأرض لا زالوا على حالة الركون إلى الإرض والسلبية ، وكأنه لم تتنزل أول آية فيهم اقرأ باسم ربك الذي خلقثم التأكيد عليها في نفس السورة اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم“.
إن قيمة الإنسان الفعلية في هذا الكون ، هي التي جعلتني أقول أن ذاك الخميس يوم لا ينسى وينبغي ألا ينسى ، إنه في المقياس المادي البحت هو كارثة ينبغي تفاديها ، ولكننا كمؤمنين وفطرنا ينبغي أن تكون سوية ، فإننا نقول أنه حدث يحزن القلب ويدمع العين ، وهو طريق كل الناس سالكوه.
إن قوة هذا الحدث تكمن في نقطتين ، أولهما: هو قوة ما فقد ذلك اليوم. وثانيها: الحالة التي عليها العالم الإسلامي بحيث لا يعرف قيمة رموزه إلا بعد موتهم وأحيانا لا تعرف قيمتهم حتى بعد موتهم.
توفي المسيري رحمه الله بعد أن عاش حياة أبدع فيها أيما إبداع وعاش جادا يفكر في مشاكل الأمة وكيفية الخروج منها ، وهنا تكمن قيمة المفكر ، أنتج رصيدا علميا ضخما ، مما تفخر به المكتبة العربية والإسلامية بل وحتى المكتبة الأدبية العالمية. ولم يقف هنا رحمه الله بل نزل إلى الميدان مجاهدا بنفسه ضد الإستبداد والطغيان ، وما منعه مرض أو جاه أن ينزل مع البسطاء من الناس ، بل إنه التحم بجسده يوم التحمت الصفوف!!
إن المنصف يختلف مع المسيري أو يتفق معه ، لكنه أبدا لا ينكر أنه عاش حرا يقاتل بفكره وقلمه ولسانه من أجل عقيدته ، لم يكن المسيري اسطوانة تسجيل ردد ما يقوله السابقون وجمد عليه ، ولم يكن ذلك المجامل على حساب عقله واستقلاله ، كم تحتاج الأمة إلى أمثال المسيري ، أولئك الذين ليس يسري في دمائهم الجبن والخلود إلى الأرض بل تسامت نفوسهم إلى معالي القيم والأخلاق.
رحم الله المسيري وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة ، سيبقى خالدا ما دام فكر.

ليس لأحد حق في الوجود غيري!

فبراير 11, 2008

التعددية والتعايش

ال�ياة بكل الألوان

أستطيع القول أن أكثر موضوع يشغلني هذه الأيام وشغلني لفترة طويلة هو “النظرة الأحادية” وأقصد بها تلك النظرة التي تزدري كل شخص آخر مخالف واعتقاد أن وجهة نظره الشخصية هي الصحيحة مطلقًا وهي الحق المحض والصواب الذي لا مواربة فيه ، والآخر بما يحمل من وجهة نظر مختلفة هو إنسان لا يستحق الحياة ولا يستحق أن يعبر عن وجهة نظره ويتمنى ذلك الشخص أي فرصة لإخراس هذا الآخر المختلف عنه في وجهة النظر ، ولا يسمح له أن يتفوه بكلمة إلا بكلمة تدل على أن الآخر تابع له!

وربما هي سلوك بشري طبيعي يتكون من تأثيرات البيئة المحيطة بالإنسان ، فالإنسان الذي يعيش في المدينة غير الذي يعيش في القرية ، والذي يعيش في مدينة ذات حراك اقتصادي وثقافي غير الذي يعيش في مدينة منغلقة على نفسها وسكانها يحملون نفس الثقافة والسلوك تقريبًا ، والإنسان الذي ينقل نفسه من مكان إلى مكان ويسافر ويتعلم غير الذي جمد على مكان واحد حتى ولو كان في المدينة ذات التعددية ، ويقال أنه كلما زاد علم الإنسان كلما زاد فقهه في الحياة واختلافاتها ، وأيضًا دور البيت والوالدين في تربية أبنائهما يكون له راجع في سلوك الفرد وكذلك التجمعات التي يلتحق بها الفرد كالمدرسة أو حلقة التحفيظ أو مركز الحي أو النادي.. إلخ. فبالمجمل أي مؤثر على الإنسان والفرد له دور في تكوين سلوكه وشخصيته وفهمه للحياة.

قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. في دلالة صريحة على أن الاختلاف والتعدد هو سنة كونية لا يملك ولا يستطيع أحد أن يمنعها أو أن يصبغ الحياة بلون واحد ،  بل جعل ربنا جل وعلا لذلك حكمة حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فالحكمة من التعدد والاختلاف واضحة ، ليست لأجل أن يتصارع الناس ويتقاتلوا ويسيطر بعضهم على بعض بل (ليتعارفوا) وهذه الكلمة له دلالات عظيمة ومعاني متعددة ، فمن معانيها أن يعرف الناس بعضهم بعض بحكم الاختلاف ، وأيضًا من معانيها كما يقول الشيخ سلمان العودة أن يتبادل الناس المعرفة والعلوم ، وأيضًا ربما هناك دلالة من (اللام) أنهم يجب عليهم أن يتعارفوا لا أن يتهاجروا ويتباغضوا ويقتل بعضهم بعضًا. والقرآن الكريم يحفل بالكثير من الآيات التي تدل على هذه السنة الكونية في الناس وفي جميع الخلائق.

وقد أمرنا الإسلام أيضًا بأن نتعامل بحكمة حتى في نشر الحق الذي معنا وألا نجبر أحدًا على الدخول فيه فقال: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ وقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾. ففيه احترام للآخر المختلف معك حتى في أصول الديانة والاعتقاد ، وأن عليك البلاغ فقط.

ومن البلايا التي ابتلي بها شباب الصحوة اليوم ؛ وجود فئة من الشباب وطلبة العلم الذين لا يتقبلون وجود طرف آخر مخالف لهم في بعض جزئيات وفروع الدين بله الأصول والقطعيات ، فتجد أحدهم يفني عمره من أجل محاربة المخالف له في الدائرة الأولى والأقرب له من المسلمين ، وللأسف تجاهل هذا أن يحارب المخالفين له في الأصول وأن يحارب الموبقات التي ضرت بالإسلام والمسلمين ، بل تجدهم يكابرون وينكرون أن التعددية والتعايش مع المخالف من صميم الإسلام وأن أفضل وجد على ظهر هذه الأرض كان مجتمعًا تعدديًا يحوي أطراف متخالفة.

فتجد أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- حينما قدم إلى المدينة أبرم اتفاقًا مع اليهود ينص على:  ”أنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم نفسه وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم، وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد، وأنه يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم ولا آثم…”

بل وحتى مع وجود المنافقين ورأسهم “عبد الله بن أبي” ومكابرته وتصريحه بالعداء بنينا –صلى الله عليه وسلم- كان الرسول يرفض أن يتعامل معه بالسلاح والقمع ، بل إنه كان مجلسًا يجمع الصحابة من المسلمين مع المنافقين مع اليهود ويأتي الرسول –صلى الله عليه وسلم- يمر من عندهم فيقول له رأس النفاق عبد الله بن أبي “إليك عني ، والله لقد آذاني نتن حمارك” ، فيثور الصحابة ويحدث لغط فمازال النبي يهدئهم ويصلح بينهم. ويرد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد أن أطلق ابن أبي أحد كلماته عن نبينا فقال الصحابة أنقتله؟ فقال: “بل نحسن صحبته ما دام فينا“.

والسنة النبوية أيضًا تزخر بهذه المعاني الجليلة والعظيمة من السماحة والأدب والخلق الرفيع مع الآخر “المشرك واليهودي والنصراني والمنافق والأعراب وكل الفئات” إلى درجة يكاد المرء لا يصدقها وهو يقرأ سيرة نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم- ، وأستغرب من أحدهم ينكر هذه التعددية والتعايش السلمي بين الأطراف المختلفة في المدينة ويقول بأن هذا مجتمع غربي وليس إسلامي!!

إذًا التعايش حقيقة تاريخية وضرورة واقعية ، أما التعددية فسنة كونية ليس بإمكان أحد أن  يرفضها ويمنعها.

ولكم التحية.