إشكالية حكم الأغلبية في النظام الديموقراطي

By وحي القلم
بعض الإشكالات المرتبطة بتطبيق الديموقراطية

أحمد الريسوني

خاص – من كتابة وحي القلم

الإشكال: أن الديموقراطية التي تحكم الأغلبية وتجعل الأغلبية مشرعة “تحلل وتحرم” –باستعمال المصطلح الشرعي- يمكن أن تحل ما حرم الله وأن تحرم ما أحل الله، وأن تلغي ما أوجب الله، وأن تفرض ما لم ينزل الله به سلطانًا. بمعنى أننا ننصب الأغلبية شارعة أو مشرعة حاكمة. وكما يذهب البعض إلى درجة أنه يقول: كيف إذا حكمت الأغلبية بإباحة الخمر أو الزنا مثلًا… الخ.

الجواب عن الإشكال:

أولًا:إن الأغلبية – على الأقل في العالم الإسلامي- ستقف دائما وأبدا مع الإسلام ومع إي حكم إسلامي ثابت يقول به العلماء ويوضحونه وينادون به، هذا من الناحية الواقعية. وإلا فمن لديه شك فليأتنا بعكسه. فقد أكدت التجارب أنه حيثما أعطيت حرية الاختيار في العالم الإسلامي إلا وكان الاختيار يتجدد ويتجذر لصالح الإسلام، ويمكننا أن نتحدى أي حاكم في العالم الإسلامي وفي غير الإسلامي، أي سياسي وأي لائكي وأي إسلامي أيضًا نتحداه أن نجرب ونستفتي الناس في حكم بعينه أو في مجموع الأحكام، كأن نقوم باستفتاء مثلا في مسألة تطبيق الشريعة، فإذا كان استفتاء حرا حقيقيًا بدون إشهار وبدون حملة انتخابية، أو إذا جربنا استفتاء في وسط الذين يعملون بالربا في مسألة تغيير النظام الربوي بنظام آخر لا ربوي، أو مسألة التبرج في وسط النساء إذا سألن عن رأيهن في إلغاء التبرج… فالواقع يشهد أنه في العالم الإسلامي حيثما استفتينا الناس فإن أغلبية الناس ستكون مع الإسلام بالجملة أو بالتفصيل. ويزدد هذا الأمر يقينية في الأحكام المعروفة والمشهورة والمنصوصة من الدين، ومن قال غير هذا فنحن نرفع التحدي على صعيد العالم الإسلامي كله.

ثانيًَا:لنفترض جدلًا، من باب [ لئن أشركت ليحبطن عملك ] ونقول: لو أن أغلبية شعب أو قطر إسلامي رفضت شيئًا من الإسلام أو أقرت شيئًا يخالف الإسلام. هذا الأمر –في الحقيقة- في غاية الأهمية؛ لأنه سيفتح أعيننا لو وقع على الحقيقة المرة التي يجب أن نعالجها؛ لأن الإسلام قبل أن يكون دولة ونفوذًا وسلطة، قبل ذلك هو قناعة واختيار وتعبد وتدين، فإذا افترضنا أنه في قطر من الأقطار الإسلامية بلغ الإبعاد والابتعاد عن الدين، والجهل بمقتضياته وضعف التدين وتفشي التروع اللاديني إلى درجة أن يرفض الناس الشريعة جملة أو يرفضوا شيئًا من أحكامها، فهذا في الحقيقة اكتشاف خطير؛ لأن فائدة الديموقراطية في هذه الحالة هي أنها عرفتنا على حقيقة الأمور، حتى لا نبقى –نحن المؤمنين بهذه الأحكام- من المخدوعين، ونعرف إلى أي درجة انحط التدين، وهذه الفرصة الوحيدة للعلاج، فكيف نعالج واقعًا نحن لا نعرفه، فيهمنا أن نطرح هذا التحدي كي نستفيد منه، ونكون مسرورين –ليس بوجود هذه الحقيقة- بل باكتشافها، أي بمعرفة الواقع كما هو.

ثم يجب أن نعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين طبق الإسلام في مجتمع المدينة، التطبيق التشريعي الكامل، كانت المدينة قد أصبحت في عمومها وفي أغلبيتها في عقيدة الإسلام وتحت سلطة الإسلام، السلطة المعنوية والقلبية والروحية، وقبل ذلك لم يطبق الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام تطبيقًا عاما ملزما، فلم يحاول أن يطبقه على أهل مكة. لقد عاش المسلمون في الحبشة ولم يطالبوا النجاشي بأن يطبق الإسلام ويحكم بالإسلام بالرغم من أنه أسلم وكان في إسلامه نوع من الخفاء ولم يعلنه صراحة إلا الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن مات النجاشي، فيمكن أن يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطبق الإسلام في مكة؛ لأنه لم تكن لديه القدرة المادية. لكن النجاشي كان صاحب سلطة، ولكن أغلبية الناس ليسوا على الإسلام، فكيف يطبقه عليهم وهم لا يؤمنون به. وأي شيء أفسد للإسلام وأكثر تشويهًا له من أن يلزم ناس بتطبيقه وهم لا يؤمنون به. فإذا افترضنا أن مجتمعًا إسلاميًا اختار غير الإسلام شريعة أو اختار من الإسلام أمورًا ورفض أمورًا أخرى، فإن العمل حينئذ ليس هو إلزام الناس وإكراههم وتطبيق هذا الإسلام الذي تفلتوا منه، بل الحل هو إقناع الناس وإعادتهم إلى رشدهم وفهمه وإلى تصحيح علمهم ومعرفتهم بالإسلام، وبعد ذلك نأتي إلى التطبيق، فلا نتصور أنه من الصواب تطيق الإسلام على قوم أغلبيتهم يرفضونه أو يرفضون شيئًا منه. وهذا الافتراض يكون أقرب إلى المعقولية في الرفض الجزئي. ويمكن أن يتصور في أمور من الدين الناس متعرضون للتضليل والتجهيل. فخير لنا أن نعرف هذه الحقائق ثم نصلحها من أن نتمادى حينئذ في المطالبة بتطبيق شيء على ناس يجهلونه ويرفضونه وابتعدوا عنه لسبب من الأسباب.

وبغض النظر عن هذا الافتراض، فالعالم الإسلامي الذي شعوبه مسلمة بنسبة كبيرة جدًا أو بنسبة كاملة، يستحيل عمليًا إذا أعطيت الحرية الحقيقية للناس وللممثلين الحيقيقيين للناس أن يختاروا أو يبتغوا غير الإسلام دينًا وشريعة، ولن يكون هذا إلا أقرب طريق إلى تطبيق الإسلام وإقامته.
المصدر كتاب “الأمة هي الأصل”.

6 تعليقات إلى “إشكالية حكم الأغلبية في النظام الديموقراطي”

  1. عزام يقول:

    أحب أن أعقب بنقطتين فقط…
    ١. تساؤل ما علاقة النقطة الأولى بقول الله تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} وقد قال أكثر ولم يقل كثيرا من أهل الأرض!
    ٢. ما علاقة النقطة الثانية بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)) مع إقراري بالمشكلة ولكني لا أرى لها علاقة بالنتيجة!
    بوركت

  2. وحي القلم يقول:

    الأخ عزام مرحبا بك
    وشكرًا على مرورك من هنا..

    بالنسبة للتساؤل الأول.. فلا علاقة بين الآية وبين حكم الأغلبية في الأمة المسلمة، فالآية واضحة من السياق ومن كلام المفسرين أن المقصود بها الكفار وليس المسلمين، ولو فُهِم على أن المقصود بها المسلمين لكان هذا ضلالًا واضحًا..

    والثاني.. فهذا ليس حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يثبت أبدًا.. بل قيل أنه من المأثورات عن عمر أو عن عثمان رضي الله عنهما..
    والأثر يفهم في سياق معين، فسلطة النظام والقوانين في هذا العصر تمنع الغشاشين وأكلة أموال الناس بالباطل من التمادي في ذلك.. في الوقت الذي تعيش بلاد الإسلام فيه تحت الظلم وأكل أموال الناس بغير حق!
    ولا يفهم أنه تشريع لفرض الإسلام على الناس بالقوة فهذا أيضًا فهم شاطح.

  3. عزام يقول:

    أخي الغالي…
    شكرا لتعقيبك ولكني أتساءل عن من قال بأن الأمر إما أبيض أو أسود فإن وضع النظام الشوري الصحيح لا يعني بحال قسر الناس على الإسلام كما أنه لا يعني أن يعيش الناس في فوضى لا يحدها حد ولا شرع ونمكن لهم التلاعب بالشرع كما شاؤوا فماذا لو رأت الغالبية الحاكمة في بلد مسلم منع الحجاب أو إباحة الخمر أو تعطيل حد من حدود الله كحد شارب الخمر والزاني والمرتد؟ أنأذن لهم بذلك إن قلت نعم فقد أبحت الحكم بغير ما أنزل الله وإن قلت لا فقد قسرت الناس على النظام – الذي قد لا يرغبه غالبيتهم – قسراً…
    شكرا لك لأسلوبك الجميل في الرد.

  4. وحي القلم يقول:

    أخي الكريم..
    هناك كتاب قيم أنصحك بالإطلاع وقرائته.. ويوجد منه نسخة إلكترونية اسمه أشواق الحرية لنواف القديمي..

    وما جاء في قولك أني عندما آذن للأغلبية بأن يشرعوا غير شرع الله فقد أبحت الحكم بغير ما أنزل الله.. فهذا غير صحيح أبدًا.. والحكم على الشيء فرع عن تصوره كما يقولون!
    لو صح إلزامك هذا لقلنا أن مجتمع النبوة وقد كان فيه المنافقين يقولون الكفر ويؤذون الرسول وأصحابه.. ورسول الله لم يفعل لهم شيئًا بل جعل لهم الحرية في العيش ولم يقوم بقتلهم أو عقابهم حتى.. هل نقول أن رسول الله يبيح الحكم بغير ما أنزل الله؟!

    في النظام الديموقراطي يا أخي.. هناك مفهوم المعارضة.. ماذا تعني المعارضة؟ وقبلها ماذا يعني أني اتخذت الديموقراطية سبيلًا في إدارة شؤون البلاد؟ هذه أسئلة وغيرها مهمة للإنطلاق في النقاش.. أما النقاش بهذه الصورة فهو لا يتكئ على أرضية مشتركة.. وبالتالي فلا يؤدي إلى شيء.

    ولكن دعني أقول لك ماذا يتعني المعارضة في النظام الديموقراطية:
    تعني أنني أرفض ما اختاره الشعب.. حتى ولو كان هذا حكم الأغلبية.. لأنه يناقض مبادئي “الإسلام”.. وبالتالي فعندما يختار الأغلبية غير حكم الإسلام.. فإني أقبل هذا الأمر كواقع.. ولكنه أرفضه كعقيدة وأسعى لتغييره عبر الطرق السلمية الديموقراطية ومحاولة إصلاح الناس حتى فترة الانتخابات القادمة..

    هكذا الأمر يسير أخي الكريم.. فلا إلزام بالإسلام.. ولا إباحة الحكم بما أنزل الله.. ولذلك قلت الحكم على الشيء فرع عن تصوره وأنت تجهل الديموقراطية من كلامك.. ولذلك أنصحك بقراءة كتاب أشواق الحرية لنواف القديمي فهو يزيل غبشًا كثيرًا. :)

  5. عزام يقول:

    أخي الكريم..
    لا أجهل الديموقراطية أبدا بل أعيها وعيا تاما وأعي اختلاف تطبيقها وتفصيلاته في البلدان التي تتشدق بها.. وقد قرأت كتاب نواف القديمي كاملا منذ صدوره في معرض كتاب الرياض..
    ولكن الكلام الذي تقوله أنت الآن لا يتلائم أبدا مع طرحي للمسأالة إذ أن عيش المنافقين في المدينة لا يعني أولا أنهم مكن لهم ليعملوا ما يشاؤون وإلا لم أجلي اليهود؟ ثانيا كانوا منافقين ولا يجاهرون بمعاصيهم لأنهم لو جاهروا لأقيم عليهم الحد أم أن رسول الله كان يستشير عموم الشعب في الحدود الشرعية أيضا..
    ثم أن وضع الديمقراطية دون تقنين إقرار صريح بالتشريع بغير ما أنزل الله ولو كان هذا الأمر صوابا لم يكن هناك داع للجهاد.. أوليس الجهاد فرض للنظام الإسلامي (لا لاعتناق الدين) على الناس بالقوة ويخير الشعب في ظلاله بين الإسلام والجزية.. هل كان هذا قسرا أم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهل معنى الحرية والديمقراطية.. التي ما فهمها إلا نحن!!

  6. وحي القلم يقول:

    من كلامك لا أظن أنك تعرف الديموقراطية وتعيها تماما، وخصوصا مع قراءة كتاب أشواق الحرية..
    لأني سأعيدك مرة أخرى للكتاب لتقرأ مناقشة التساؤلات التي تطرحها..

    ولكن دعني أسألك سؤالًا قبل مناقشة ردك.. هب أن المناداة بالديموقراطية هو فعل خاطئ من قبل من ينادي بها..
    لكن دعني أسألك أنت.. كيف تريد تطبيق الشريعة الإسلامية؟ كيف ستجعل الشريعة تسود في السعودية مثلا؟ أو كيف يتم تطبيق الشريعة في تونس أو أي بلد إسلامي؟ ما هي الطريقة لذلك؟ لكي نصل إلى نقاط اتفاق، أو على الأقل لنعرف أين نحن نختلف. :)

    شاكر ومقدر هذا التجاوب في الحوار.. وآسف على التأخر في الرد حيث أني مسافر..

اترك رد