‘ملهاة’ عائض القرني و’مأساة’ سعود الهاشمي

By وحي القلم
‘ملهاة’ عائض القرني و’مأساة’ سعود الهاشمي

بقلم خالد حسن


مجلة العصر

هالني ما قرأته أمس عن الانتهاكات وأنواع التعذيب (الجسدي والمعنوي) الذي تعرض له “الإصلاحي” د. سعود بن مختار الهاشمي، المعتقل منذ حوالي سنتين ونصف في السعودية مع مجموعة أخرى من دعاة العدل والشورى وحقوق الإنسان. هم قدموا حريتهم ثمن خروجهم من صمت وسلبية الهامشية والدونية إلى حيوية الفعل الإصلاحي السلمي، حتى وإن لم يكن مؤثرا، لكن على الأقل يجسدون فيه آدميتهم وكرامتهم وإنسانيتهم..

و(الإصلاحي) في السعودية، وببساطة، وصف أو لقب يحمله كل من فكر بصوت عال في قضايا الشورى والحريات المشروعة في البلد، منهم الإسلامي واللبرالي ومن لا انتماء له، وهكذا…لأن بعضنا عندما يمر عليه هذا الوصف، يظن نفسه أمام ميشال كيلو أو علي بلحاج أو راشد الغنوشي، يعني ليس معارضا بالمفهوم الغربي ولا بالمفهوم العربي، وإنما وفق ما تتحمله التجربة الإصلاحية السعودية، هو شخص يتوق إلى حرية التعبير ويحلم بحرية التجمع، لا ينازع حاكما ولا محكوما، لا ينادي بالتداول السلمي على السلطة وإنما بحرية اختيار مجلس الشورى وربما بملكية دستورية..، واستقلالية القضاء واحترام حقوق الإنسان.

هذا الاستطراد مهم حتى لا يذهب بال القارئ بعيدا في تخيل “الجرم” الذي ارتكبه د. سعود الهاشمي وإخوانه، هم واكبوا ـ فقط ـ التوجه العام الداعي للإصلاح السياسي. فكل ما هنالك، ليس أكثر من عريضة مطلبية أو جلسات للتفكير الهادئ والسلمي حول مصير الإصلاح والشورى في البلد، أو التنديد بممارسات أجهزة أمنية وقضائية وحكومية.. يعني بالمفهوم السياسي، هم أقرب إلى “الإصلاح الناعم”، الذي لا يسيء لحكم ولا يهدد مصالح ولا يستفز مشاعر “ولاة الأمور”..

ودعاة الإصلاح في السعودية يدركون أنه ليس ثمة رأي عام محلي ولا عربي ولا دولي، قادر على تشكيل مظلة للدفاع عن هؤلاء، فالبلد مغلق لا يتحمل هذا النوع من الحراك، ولا يتصورون أن هناك ضغوطا من العالم، الذي يسمونه “حرا”، بإمكانه “تهذيب” أوضاعهم المزرية. وإنما أقصى ما يطلبونه وهم في غياهب المعتقلات، أن يعاملوا وفق ما نصت عليه القوانين والإجراءات الجزائية.

إلى هنا، فالأمر هم وغم نعيشه ونتنفسه ونكتوي بناره، صباح مساء، ونعزي أنفسنا بأن هذا قدر الأحرار في دنيا العبيد، لكن أن يصلني خبر في اليوم نفسه، وهذا نصه حرفيا: (أعلن الشيخ عائض القرني عن مسابقة ضخمة وبجائزة تبلغ مليون ريال لأفضل شاعر يتمكن من مجاراة القصيدة وبنفس المضمون الذي يثني على رب العالمين. هذا وقد اختير الشاعر ناصر القحطاني رئيساً للجنة تحكيم المسابقة والأستاذ عبدالله الشمراني أميناً عاماً لها، كما أبدت عدة جهات اهتمامها بالجائزة معلنة رغبتها في رعايتها والتعاون في سبيل إنجاحها ومن بينها الاتصالات السعودية وقناة MBC)، فهذا مما يزيدني غما وهما وألما.

يعني لا يكفي أن يُتنكر لهؤلاء وأن يخذلوا بالصمت والهجران والقطيعة مع قضاياهم، لنضيف إلى هذا ترف وعبث. ماذا لو انشغل الأحرار يوم أن ضُيق على الشيخ عائض خلال سنوات مضت، بهذه الهوامش؟ ماذا لو تخلوا عنه وعن قضيته وانصرفوا إلى فقاعات إعلامية تتخطفهم يمنة ويسرة؟

ربما قد يبدو تأثير المثقف ـ في السعودية ـ هامشيا، لأن ثقافة السلطة هي المهيمنة، ومسوقوها ليسوا فقط من الحرس القديم، وإنما أيضا دعاة ومثقفون، يعملون بشروط السلطة، سواء رغبة منهم، أو باضطرار وتحت دوافع مختلفة، فيعيدون إنتاج الخطاب الرسمي، بأسلوب ناعم.

وأدرك كما يدرك معتقلو الشورى والعدالة وحقوق الإنسان، أن شروط الانخراط في الفعل الثقافي والسياسي في السعودية أصبحت مرهونة بالانضمام إلى “قطيع” من المؤسسات والمساحات، التي تضعنا أمام أحد خيارين، العزلة أو الاندماج في حراك مشروط. لكن ماذا لو حاول البعض التفكير بطريقة مختلفة، حتى وإن لم تساير التيار العام، وخالفت بعض الرغبات؟

كان متوقعا أن يتعرض د. سعود الهاشمي وصحبه للضغوط المساومة، ويبدو أن الأجهزة الأمنية المتورطة في اعتقاله، كانت تحاول أن تجرب مدى ضعفه الإنساني واستعداده للرضوخ لمطالبها أو الاعتذار عن مواقفه، لكن متى كان السجن يغير قناعات الأحرار، فلا أحد يتخلى عن مطالب إصلاحية لا تنازع ولا تهدد ولا تقوض ولا توهن ولا تثير الفتن.

تحرك هؤلاء وغيرهم من “الإصلاحيين”، لأنهم أرادوا أن يعيشوا لقضية هي أكبر من ثنائية هامشية عبثية، غناء محمد عبده لقصيدة الشيخ عائض القرني، وأن تتحول قضيتهم إلى “أول قضية رأي عام” في السعودية، وهي قضية “لم تمت”، ومازالت حية وتستحق وعيا وتحركا وقناعات.

وعجبت لاهتمامات الكثيرين في السعودية، مواقع ومنتديات وصحف وأوساط، يحشدون أقلامهم ومنابرهم وصفوفهم في قضية خبر عائض القرني ومحمد عبده، ويخصصون لها الأوقات وربما البرامج الحوارية، وأساتذة ومثقفون، كانوا بالأمس القريب جزءا من المشهد العام، يغيبون في السجون، وينحون من الذاكرة، ويتعرضون لترهيب وتعذيب نفسي ومادي، ويمر الخبر وكأنه “لا حدث”.. فالأمة مشغولة بالخطر الأكبر، إيران، وبالمفاجأة التي أحدثت زلزلة في الوسط الشرعي: التعاون الفني ين الشيخ عائض القرني ومحمد عبده، كما عبر عنه أحد الإعلاميين السعوديين، والذي يثير الدهشة أكثر، أننا نتعرض للموت النفسي والفكري يوميا، ونتعامل مع أنفسنا والآخرين، كأننا أحياء غير أموات، بل ونشغل أنفسنا والآخرين بأخبار هامشية.

لا أطالب الشيخ عائض القرني، وغيره من أهل التأثير العام، أن ينحازوا لمثل قضايا د. سعود الهاشمي، دفاعا عن الكلمة الحرة، (وهذا من مسؤولية المثقف)، لا أبدا، فهذا تحميل ما لا يُتحمل ولزوم ما لا يلزم، وكل ما في الأمر، أن لا يزيد من مصاب إخوانه المعتقلين، باختيارات، تعمق السلبية والهامشية.

ولعلنا قد نسمع خبر شيخ من المؤثرين، يتفقد سجن الهاشمي وإخوانه، ليؤكد بعدها أنه اكتشف وضعا إنسانيا راقيا، أو على الأقل مقبولا، بخلاف ما كان يتناقله أقارب وفريق دفاع د. سعود الهاشمي، فكل شيء ممكن في زمن التجريد والمواقف الفضفاضة والعائمة.

4 تعليقات إلى “‘ملهاة’ عائض القرني و’مأساة’ سعود الهاشمي”

  1. غادة يقول:

    جزاك الله أخي الكريم على موضوعك الرائع

    وفك الدكتور سعود الهاشمي وكل من معه في القريب العاجل

    حسبنا الله ونعم الوكيل

  2. صارخ بصمت يقول:

    الله يفك اسر الدكتور سعود ويهدي علماء الامة

  3. وحي القلم يقول:

    الأخت غادة مرحبا بك وشكرا لمرورك

    الأخ صارخ بصمت
    أهلا بعودتك أخي الكريم :)
    واللهم آميــــــــــــــــــــــن

  4. اتحفظ يقول:

    أولا , سواء كان الحديث عن سعود أو غيره , الإعلام هو من يضخم الأحداث-ولا أزعم أنه ليس حدث ضخم- ولكن هناك أمور أخرى أعظم لا يلقي لها الاعلام بالا وهي تحدث كل يوم , فان اردنا ان نوقف حياتنا الطبيعية من اجل المآسي , فإننا هذه الأيام سنبقى ننوح ليل نهار ,
    لا أرى ضيرا من مسابقة عائض ,
    أعتب على الساكتين ,
    يمكن ان تستمر حياتنا طبيعية , ونطالب بالحق ,
    هناك الكثير ممن لم يظهرهم الاعلام , يعانون اشد المعاناة

اترك رد