أحمد الريسوني
الجواب عن الإشكال:
أولًا:إن الأغلبية – على الأقل في العالم الإسلامي- ستقف دائما وأبدا مع الإسلام ومع إي حكم إسلامي ثابت يقول به العلماء ويوضحونه وينادون به، هذا من الناحية الواقعية. وإلا فمن لديه شك فليأتنا بعكسه. فقد أكدت التجارب أنه حيثما أعطيت حرية الاختيار في العالم الإسلامي إلا وكان الاختيار يتجدد ويتجذر لصالح الإسلام، ويمكننا أن نتحدى أي حاكم في العالم الإسلامي وفي غير الإسلامي، أي سياسي وأي لائكي وأي إسلامي أيضًا نتحداه أن نجرب ونستفتي الناس في حكم بعينه أو في مجموع الأحكام، كأن نقوم باستفتاء مثلا في مسألة تطبيق الشريعة، فإذا كان استفتاء حرا حقيقيًا بدون إشهار وبدون حملة انتخابية، أو إذا جربنا استفتاء في وسط الذين يعملون بالربا في مسألة تغيير النظام الربوي بنظام آخر لا ربوي، أو مسألة التبرج في وسط النساء إذا سألن عن رأيهن في إلغاء التبرج… فالواقع يشهد أنه في العالم الإسلامي حيثما استفتينا الناس فإن أغلبية الناس ستكون مع الإسلام بالجملة أو بالتفصيل. ويزدد هذا الأمر يقينية في الأحكام المعروفة والمشهورة والمنصوصة من الدين، ومن قال غير هذا فنحن نرفع التحدي على صعيد العالم الإسلامي كله.
ثانيًَا:لنفترض جدلًا، من باب [ لئن أشركت ليحبطن عملك ] ونقول: لو أن أغلبية شعب أو قطر إسلامي رفضت شيئًا من الإسلام أو أقرت شيئًا يخالف الإسلام. هذا الأمر –في الحقيقة- في غاية الأهمية؛ لأنه سيفتح أعيننا لو وقع على الحقيقة المرة التي يجب أن نعالجها؛ لأن الإسلام قبل أن يكون دولة ونفوذًا وسلطة، قبل ذلك هو قناعة واختيار وتعبد وتدين، فإذا افترضنا أنه في قطر من الأقطار الإسلامية بلغ الإبعاد والابتعاد عن الدين، والجهل بمقتضياته وضعف التدين وتفشي التروع اللاديني إلى درجة أن يرفض الناس الشريعة جملة أو يرفضوا شيئًا من أحكامها، فهذا في الحقيقة اكتشاف خطير؛ لأن فائدة الديموقراطية في هذه الحالة هي أنها عرفتنا على حقيقة الأمور، حتى لا نبقى –نحن المؤمنين بهذه الأحكام- من المخدوعين، ونعرف إلى أي درجة انحط التدين، وهذه الفرصة الوحيدة للعلاج، فكيف نعالج واقعًا نحن لا نعرفه، فيهمنا أن نطرح هذا التحدي كي نستفيد منه، ونكون مسرورين –ليس بوجود هذه الحقيقة- بل باكتشافها، أي بمعرفة الواقع كما هو.
ثم يجب أن نعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين طبق الإسلام في مجتمع المدينة، التطبيق التشريعي الكامل، كانت المدينة قد أصبحت في عمومها وفي أغلبيتها في عقيدة الإسلام وتحت سلطة الإسلام، السلطة المعنوية والقلبية والروحية، وقبل ذلك لم يطبق الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام تطبيقًا عاما ملزما، فلم يحاول أن يطبقه على أهل مكة. لقد عاش المسلمون في الحبشة ولم يطالبوا النجاشي بأن يطبق الإسلام ويحكم بالإسلام بالرغم من أنه أسلم وكان في إسلامه نوع من الخفاء ولم يعلنه صراحة إلا الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن مات النجاشي، فيمكن أن يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطبق الإسلام في مكة؛ لأنه لم تكن لديه القدرة المادية. لكن النجاشي كان صاحب سلطة، ولكن أغلبية الناس ليسوا على الإسلام، فكيف يطبقه عليهم وهم لا يؤمنون به. وأي شيء أفسد للإسلام وأكثر تشويهًا له من أن يلزم ناس بتطبيقه وهم لا يؤمنون به. فإذا افترضنا أن مجتمعًا إسلاميًا اختار غير الإسلام شريعة أو اختار من الإسلام أمورًا ورفض أمورًا أخرى، فإن العمل حينئذ ليس هو إلزام الناس وإكراههم وتطبيق هذا الإسلام الذي تفلتوا منه، بل الحل هو إقناع الناس وإعادتهم إلى رشدهم وفهمه وإلى تصحيح علمهم ومعرفتهم بالإسلام، وبعد ذلك نأتي إلى التطبيق، فلا نتصور أنه من الصواب تطيق الإسلام على قوم أغلبيتهم يرفضونه أو يرفضون شيئًا منه. وهذا الافتراض يكون أقرب إلى المعقولية في الرفض الجزئي. ويمكن أن يتصور في أمور من الدين الناس متعرضون للتضليل والتجهيل. فخير لنا أن نعرف هذه الحقائق ثم نصلحها من أن نتمادى حينئذ في المطالبة بتطبيق شيء على ناس يجهلونه ويرفضونه وابتعدوا عنه لسبب من الأسباب.

