حكم الله أم حكم الشعب؟

By وحي القلم
حكم الله أم حكم الشعب؟*


قضية الحاكمية من القرن الأول الهجري تؤرق المؤمنين ، وقد وقع بعضهم من فرط غيرتهم في تكفير غيرهم من هذا الباب.
وفي زماننا هذا قد برزت مسألة الحاكمية مع استشهاد المفكر العظيم سيد قطب -رحمه الله- الذي كان يؤكد في آخر حياته على هذا المعنى.

لن يكون المقال لمناقشة مسألة الحاكمية نفسها ، فمن لا يؤمن بأن الحكم لله ، فهل يصح بعدها دخوله تحت اسم المسملين؟

وقد قرأت في كتب عدد من المفكرين والعلماء في إجابتهم على هذا السؤال ، مقابل اللغط الحادث منذ زمن عن الديموقراطية. وآخر ما قرأته كان الكتاب الفذ الرائع لنواف القديمي أشواق الحريةوقد قرأته للمرة الثانية قبل أيام ، وهذا المقال قراءة في نقطة من النقاط المثارة في مسألة الديموقراطية من خلال هذ الكتاب.

وكما يذكر الأستاذ نواف القديمي في كتابه أن الحركات الإسلامية في غير السعودية ، قد تجاوزت الرفض أو التوقف في مسألة الديموقراطية ، إنما المستشكلون هم من بعض دعاة وعلماء هذا البلد.

بالطبع حججهم كثيرة ليس المجال هنا لحصرها ، إنما فقط أعجبتني لفتتة ذكية جدًا من الأستاذ نواف القديمي في رده على إحدى كبرى الإشكالات التي تطرح في مسألة الديموقراطية ، وهي القول بأن ترجمتها حكم الشعبوالرافض لها يستخدم هذا المعنى مقابل حكم الله، فتكون المسألة في تصوره أنه إما: حكم الله أو حكم الشعب؟

هكذا أتى السؤال ابتداءً ، ولكن لم يتساءل أحد ما ، هل يصح أن يكون السؤال بهذا الشكل؟

حقيقة أنني شخصيًا ورغم أني أقرأ منذ بضع سنوات ما أقع عليه في مسألة الديموقراطية ، واهتمامي بما يكتب عنها ، كنت أجيب منساقًا مع نفس السؤال ومسلمًا بصحته!

بينما اللفتة الرائعة التي ذكرها الأستاذ القديمي في كتابه ، أن هذا السؤال بهذه الطريقة خاطئٌ جدًا ، إذ السؤال ليس حكم الله أم حكم الشعب؟، إذ المقابلة هنا مقابلة بين جنسين مختلفين وليس بين نوعين مختلفين.

فحكم الله وشريعته يقابله القوانين الوضعية، وحكم الشعب يقابله الحكم الفردي المتغلب“.

حيث أنه لا يعرف أبدًا في التاريخ غير طريقتين للحكم ، إما طريقة الاختيار والشورى والبيعة والعقد ، أو طريقة التغلب بالقوة وفرص السلطة بالسلاح. ولم يعرف قديما ولا حديثًا ولا يصح عقلا ولا شرعًا أن حكم الله يقوم بذاته ويفرض نفسه بنفسه.
بينما الله جل جلاله هو المتصرف في كل شيء وله الحكم المطلق والملك المطلق والتصرف المطلق الذي لا ينازعه فيه أحد ، وهو الحكيم الذي جعل للبشر حق الاختيار ، فمن شاء منهم أن يؤمن ومن يشاء فليكفر ، وإنما على الرسل البلاغ.

فالناقد للديموقراطية من خلال سؤاله هذا ، يجب أن يضع في باله مُسَلَّمَتين ، أن هناك طريقتين للحكم لم تعرف التجارب البشرية غيرهما: إما الاختيار ، أو التغلب.

وأي منهما لا يسمى بأنه حكم الله ولا القوانين الوضعية ، إذ أن الحاكم المتفرد المتغلب يستطيع بصلاحياته المطلقة تغيير ما يشاء وتقرير ما يشاء ، فله أن يعبث بالشريعة ويلغي منها ما شاء حتى لو وضع أن المادة الأولى في الدستور أن الإسلام دين الدولة، لأنه لا رادع له من العبث حسب مزاجه ، وكما قال الشاعر المفتري المقتات على موائد الجبابرة في ثنائه على أحد السلاطين المتفردين:

شئت لا شاءت الأقدار ** فاحكم أنت الواحد القهار

والتاريخ يثبت كم جر حكم التغلب الويلات على الناس ، والشاذ من قاعدة التجبر في حكم الفرد المطلق هو دليل على صحة قاعدة أن “السلطة المطلقة مفسدة مطلقة”.

وفي المقابل فإن حكم الشعب تكون له أفضليته الفارقة ، إذ في الديموقراطية هناك فصل السلطات الذي يضمن عدم استبداد جهة على جهة ، فالسلطة التنفيذية والحاكم مجبران على الرجوع إلى المجلس التشريعي والخضوع للنظام القضائي ، وتكون هذه الجهات ممثلة لهموم الشعب وليست لأهواء الحاكم.

فلو تأمل الناقد بطرحه هذا السؤال قليلًا ، لجعل السؤال بهذه الصورة: ( من الذي يعهد إليه تطبيق الشريعة ومن يختار حكم الله؟ أهم الشعب؟ أم الحاكم الفرد المتغلب؟ )
وفي المقابل فإن صراع الحاكمية يجب أن يكون مقابل القوانين الوضعية وليس حكم الشعب ، إذ الشعب هو من يقرر الإلتزام بالشريعة من عدمها ، كما هو الحال في حكم التغلب فالحاكم الفرد هو من يقرر هل الحكم لله أم للقوانين الوضعية.

وأفضلية النظام الديموقراطي الانتخابي لا تحتاج إلى تدليل ، إذ هي تستند إلى الناس وليس إلى هوى فرد ، وقد جاءت الأدلة من الكتاب والسنة على تأكيد أفضلية هذا المعنى.
وأختم المقالة ببعض النصوص التي تدلل على خيرية الأمة بمجموعها وإجماعها. وكأن بعضها نصوص في تقرير النظام الديموقراطي ومسايرة رأي أغلبية المسلمين:
منها قوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس }.
وقوله عليه السلام: [
لا تجتمع أمتي على ضلالة ويد الله مع الجماعة ].
وقوله عليه السلام: [ إن أمتي لا تجتمع على ضلالة ، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم ].
وقوله عليه السلام: [ عليكم بالجماعة ، وإياكم والفرقة ].
وقد ثبت في الصحيح [ أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال : وجبت وجبت ثم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال : وجبت وجبت قالوا : يا رسول الله ما قولك وجبت وجبت ؟ قال : هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت : وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت : وجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض ] .

*أغلب ما جاء في المقال هو إعادة سياق لما في كتاب القديمي.

ولكم التحية.. وليد.

4 تعليقات إلى “حكم الله أم حكم الشعب؟”

  1. محب الله يقول:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    اخي وليد الموضوع بإختصار صلبة هذا (قال تعالى “ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم” إذاً الله أمرنا بالإجتماع وعدم الفرقة والدمقراطية هي التي تجمعنا على دين الله أكرر على دين الله) << هذا الذي قرأته بإختصار من موضوعك

    وفقاً لهذه الجمله (تجمعنا على دين الله) إذاً دين الله وحكمه ليس هو سر إختلاف الامه , وإنما الإختلاف على الأمور الدنيوية الاخرى وعليه فإن المقصود من الآيه القرآنيه وأيضاً الأحاديث التي ذكرتها هي الاختلاف في الامور الدنيوية فالحاكم أمر ديني وإختيار الحاكم أمر دنيوي <<كذا إتفقنا

    طيب المطلوب الآن من الآيات الكريمات هو الاجتماع الدنيوي إن صحت التسميه , طيب ماهو سبيل إجتماعنا , هنا تأتي آية أخرى لتعلم ان القرآن أتى تفصيلاً لكل شيء , كنت أتمنى ان لا تتجاهل هذة الآيه وأن لا تتبع ما تشابه من القرآن إبتغاء الفتنه , قال تعالى ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون)

  2. محب الله يقول:

    أرجوا منك تفسير الآيه التي ذكرتها وما علاقتها بالموضوع

  3. محب الله يقول:

    عموماً الم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ) , فنظر كيف كان إختيار الخليفة عند هؤلاء الخلفاء الراشدين المهديين وعلينا ان نتبعهم في ذلك طاعة لله ورسوله , فإن العلماء يقولون ان أهل الحل والعقد هم الذين كانوا يختارون الخليفة في زمن الخلفاء الراشدين ,

    وعذرا على كون ردي ثلاثة ردود وذلك لان الاول تم إرساله بالخطأ ولم أتمكن من مراجعته
    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبة وسلم

  4. وحي القلم يقول:

    أخي محب الله..
    شكرا على مرورك على الموضوع وكتابتك وجهة نظرك..

    بالنسبة للآية.. فأتمنى أن ترجع للتفسير وتقرأ سياق الآية أين أتى..
    فالخطاب هنا للرسول عليه الصلاة والسلام أنه لو أطاع أكثر من في الأرض في وقته لضل عن سبيل الله، وذلك لأن أكثر أمم الأرض على غير الإسلام، فطبيعي أن نتيجة أخذ رأيهم ستكون مخالفة للإسلام..

    بينما حديثنا هنا عن أخذ رأي أغلبية أمة الإسلام، التي جاءت النصوص السابقة على تزكية إجتماعهم على رأي..
    وارجع إلى الكتاب المذكور للتفصيل أكثر في هذه المسألة وارجع إلى فتاوى ابن تيمية في شرحه لحديث أنتم شهداء الله في الأرض..

    شكرًا لك.

اترك رد