أرشيف نوفمبر, 2008

ليس بدعا

نوفمبر 16, 2008

العقلانية.. هل هي تهمة؟
-3-


[إن هناك طريقًا واحدًا لإرضاء الله سبحانه وتعالى ونيل محبته ، هو اتباع محمد -صلى الله عليه وسلم- واقتفاء آثاره والسير على سنته ؛ لقوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم..)] محمد الغزالي “السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث”.

أيهما أصح عندنا كتاب الله جل وعلا أم ما ورد في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
مما هو معلوم أن كتاب ربنا هو آكد لدينا وأثبت من الأحاديث.. فالقرآن وصلنا متواترًا ولقد تكفل الله عز وجل بحفظه ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).. أما السنة فأغلبها أحاديث آحاد.. أي أنها لم تصل درجة القطعية إلا الأقل منها.
ومن المعلوم أيضًا أن آحاديث الآحاد لا يمكن أن تنسخ آية من كتاب الله.. فإن المتواتر لا يُنسخ بآحاد.. وإنما ينسخ المتواتر بمتواتر مثله.. ولا تنسخ الآية إلا آية..ويمكن أن ينسخ الآحاد بالآحاد.. وفي ذلك تفصيل واختلاف بين أهل العلم ليس هذا موضعه.

تذكرت القصة التي أوردها عمرو خالد في برنامجه.. وأنا أقرأ لأحدهم يتكلم عن بعض دعاة الإسلام بأنهم عقلانيين ويقدمون العقل على النقل وغيرها من الكلمات!!
ومن هؤلاء العالم الجليل محمد الغزالي -رحمه الله رحمة واسعة- ولقد شن البعض هجمة عليه وعلى كتابه السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث.. ولقد قرأت الكتاب واطلعت عليه أكثر من مرة.. وقلبته ولم أجد أن الشيخ الغزالي رحمه الله قد رد حديثًا لأنه يخالف عقله هكذا من دون أي حجة!!
ولقد تأملت فيما أوره في كتابه.. بغظ النظر هل أنا مؤمن ومقتنع بما قاله أم لا.. ووجدته لا يرد حديثًا من الأحاديث التي ردها حتى لو صح إسنادها إلا بوجود شذوذ أو علة قادحة في متنها لأنها تخالف آيات من القرآن الكريم!! أو تخالف آحاديث أخرى أصح وأقرب من تلك الأحاديث.. وهو لا ينسب ذلك الخطأ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.. بل يعتقد بأن أحد الرواة أخطأ في الحديث لا محالة.
ووجدت بأن الغزالي -رحمه الله تعالى- يضع القرآن نصب عينيه قبل كل شيء ويجعل القرآن هو المنطلق الأول وهو المصدر الأول لديننا الإسلامي.. فإذا جاء حديث آحاد يخالف نصوص القرآن الظاهرة رده ولم يؤمن به.. أو أنه يرجح تأويلًا معينًا لذلك الحديث.. ثم يجعل بعد ذلك السنة النبوية الشريفة مصدرًا ثانيًا وهي مقدمة على ما دونها!
وأود أن أرسل رسالة من هنا لكل من اتهم الغزالي بمعاداة السنة.. وهي أن يقرأوا ما كتبه الغزالي حول تلك الأحاديث.. ويفهمومها على ما فهمها هو وأن يدركوا كيف تعارضت عنده النصوص.. ثم بعد ذلك يحكموا هل أخطأ أم أصاب.. أما أن ترمى التهم جزافًا من دون أدلة على أنه يعادي السنة فلعمري إن هذه لمن المكفرات!!
ومن نظر وجد بأن الغزالي ليس الأول في هذه الطريقة.. بل لقد فعلته من قبل أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- وفعله الإمام أبو حنيفة وفعله مالك -رحمهم الله جميعًا رحمة واسعة-.. بل لقد فعل ابن القيم ووافقه ابن عثيمين -رحمهما الله- بأن ردا لفظ حديث لأن أوله يخالف آخره عقلًا ونظرًا.. ورجح ابن القيم رواية أضعف سندًا على تلك الرواية الأصح سندًا.. ولا أدري لماذا لا تسل الأقلام ضد ابن قيم الجوزية وابن عثيمين وتثبت عليهم كلمة (العقلانيون) وبأنهم يقدمون العقل على النقل!! عملًا بالعدل بين الناس وبأن (الحق أحب إلينا من أي أحد)!.
ولعل من خير ما أختم به حديثي هذا.. كلام للعلامة ابن عثيمين -رحمه الله رحمة واسعة-.
قال ابن عثيمين معلقًا على كلام ابن القيم حول (وليضع يديه قبل ركبتيه) وتصحيحها إلى (وليضع ركبتيه قبل يديه):
وهذه المسألة وإن كنت أنا أعتقد أن هذا هو الصواب، وأنه ينهى أن يقدم الإنسان يديه قبل ركبتيه لحديث أبي هريرة هذا، فأنا لا أحب أن تكون مثل هذه المسألة مثاراً للجدل، أو العداوة، أو البغضاء أو التضليل وما أشبه ذلك، لا هذه ولا غيرها من مسائل الاجتهاد، فكل المسائل الاجتهادية التي يعذر فيها الإنسان باجتهاده يجب أن يعذر الإنسان أخاه فيها، فكما أنه هو ينتصر لما يرى أن النصوص دلت عليه، فكذلك أيضاً يجب عليك أن تعامله بمثل ما تحب أن يعاملك به، كما أنه لو انتقدك لرأيته مخطئاً عليك، فأنت إذا انتقدته تكون مخطئاً عليه، أما ما لا يقبل الاجتهاد فلا تسكت عنه وأنكره وبين الحق، والصحابة رضي الله عنهم كانوا يختلفون في مسائل أعظم من هذه، ومع ذلك فالقلوب واحدة، والهدف واحد، والتآلف موجود، والله الموفق.

والله أعلم ، وصلى الله على محمد وآله.


حسبكم القرآن

نوفمبر 12, 2008

العقلانية.. هل هي تهمة؟

-2-

في الحقيقة لفظة (العقلانية) ليس مذمومًا لذاته بل العقلانية مدح للشخص بأنه يعمل عقله لا يعطله.. ولقد جاء مدح العقل في مواضع عديدة من القرآن الكريم (لآيات لقوم يعقلون) (لآيات لأولي الألباب) (لقوم يتفكرون).. وجاء ذم المشركين والكفار بأنهم (لا يعقلون) (كالأنعام)!! بل كان نقاش القرآن مع الكفار كله نقاش عقلاني بالحجج والبراهين.. (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) (أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئًا) (أوليس الذي خلق السماوات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم).. وغيرها الكثير الكثير من الآيات التي تخاطب العقل وتذم تعطيله والإستكبار عن قبول نتائجه!!

ولقد رفض الأئمة بعض الأحاديث لأنها تناقض صريح العقل مما لا يختلف فيه اثنان.. مثلما تكلم ابن القيم -رحمه الله- في زاد المعاد عن حديث (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير ، وليضع يديه قبل ركبتيه) وقال: لأن البعير يضع يديه قبل ركبتيه ، فانقلب على الراوي.. وصحح الحديث بأنه (لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير، وليضع ركبتيه قبل يديه).

ولقد رفض الأئمة أيضًا أحاديثًا صحيحة السند لعلة في المتن لأنها تعارض القرآن القطعي الثبوت في آيات قطعية الدلالة!! مثلما رفضت عائشة -رضي الله عنها- حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) وقالت : رحم الله عمر! والله ما حدث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ، ولكن رسول الله قال: (إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه) وقالت: حسبكم القرآن (ولا تزر وازرة وزر أخرى).. ولقد أنكرت -رضي الله عنها- ما قاله عمر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) -يقصد صرعى كفار قريش في بدر- مستدلة بالآية الشريفة (وما أنت بمسمع من في القبور) وصححت الرواية: (ما أنتم بأعلم لما أقول منهم).

ومنهم من رفض أحاديث لأنها خالفت أحاديث أصح منها.. مثلما رد الإمام أحمد -رحمه الله- حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- (يكون أمراء يقولون ما لا يفعلون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن) وقال الإمام أحمد: هذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود ؛ ابن مسعود يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اصبروا حتى تلقوني).
وأنا هنا لا أقرر صوابًا ولا خطأً وإنما أبين منهجًا انتهجه السلف الصالح في تضعيف الأحاديث وردها بناء على علة في متن الحديث لا في سنده.

يتبع إن شاء الله.

أبو حنيفة (عقلاني) يقدم رأيه على رأي نبينا!!

نوفمبر 10, 2008

العقلانية.. هل هي تهمة؟

-1-

تهمة العقلانية ليست جديدة على ساحتنا الإسلامية فلقد اتهم بها الإمام أبو حنيفة النعمان -رحمه الله تعالى- وقيل عنه بأنه يقدم العقل على النقل!!
قبل سنة تقريبًا كنت أشاهد برنامجًا لعمرو خالد على قناة أبو ظبي -على ما أظن-.. وكان يتكلم عن أبي حنيفة -رضي الله عنه-.. وأورد قصة أحب أن أنقلها هنا:

- نشر أعداء أبو حنيفة عنه انه يأخذ بالرأي والقياس ويترك سنة المصطفى ، وانتشر عنه ذلك في كآفة أقطار البلاد الإسلامية ولما ذهب للعمرة لقيه محمد بن باقر أحد أحفاد الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال له وهو غضبان : أنت أبو حنيفة الذي غيرت دين جدي!! فلم يجادله أبو حنيفة بل قال له أن يجلس على الكرسي جلس أبو حنيفة على الأرض ، وقال أبو حنيفة: إنما مقامك معي مثل مقام جدك عند أوليائه ( أصحابه ) ثم قال: يا إمام أنت تقول أنني غيرت دين جدك بالقياس والرأي فسوف أسألك سؤال.
قال أبو حنيفة: أيهما أضعف في دين جدك الرجل أم المرأة؟
قال محمد: المرأة.
قال أبو حنيفة : أيهما له الضعف في الميراث الرجل أم المرأة؟
قال محمد : الرجل.
قال أبو حنيفة :فلو كنت أعمل بالرأي وأترك حديث جدك ودين جدك لقلت المرأة أضعف فتستحق ضعف ما يستحق الرجل. لكني لم أقل ذلك لأن حديث النبي مُقَدَّم عندي على رأيي.
ثم سأل أبو حنيفة: أيهما أعظم عند الله الصلاة أم الصيام؟
قال محمد بن باقر: الصلاة.
قال أبو حنيفة : أيهما تقضي المرأة إذا أفطرت في رمضان الصلاة أم الصيام؟
قال محمد بن باقر: الصيام.
قال أبو حنيفة: فلو كنت أجتهد برأيي وأترك حديث النبي لقلت الصلاة أفضل، فتقضي الصلاة ولا تقضي الصيام. لكني لم أفعل ذلك. قلت كما قال جدك، تعيد الصيام ولا تعيد الصلاة.
ثم قال أبو حنيفة أيهما أنجس البول أم النطفة؟
قال محمد: البول.
قال أبو حنيفة: أيهما يغتسل منه البول أم النطفة؟
قال محمد بن باقر: النطفة.
قال أبو حنيفة: يا إمام ، لو كنت آخذ بالرأي وأجتهد وأترك حديث النبي لقلت البول نغتسل منه والنُطفَة نتوضأ منها…” لأن البول أنجس “…لكني قلت كما قال جدك “البول نتوضأ منه والنُطفَة نغتسل منها” فلم أُغَيِّر بالرأي يا إمام.
ثم قال -رحمه الله-: أنما فعلت ذلك لان العراق تحب الجديد فأردت أن أحمل الناس على دين جدك فقام الإمام محمد بن باقر وقبل رأس أبو حنيفة.