سبتمبر 22, 2008
موقف في الحرم

بعد أن أمّ بنا إمام الحرم المكي الشريف الشيخ عبد الرحمن السديس صلاة التراويح ودعا دعاء القنوت باقتضاب وهدوء ، تقدمت الصفوف في سطح المسجد الحرام بعد أن خف الزحام من أجل أن أطل على الصحن وعلى الجموع المؤمنة التي تطوف حول الكعبة المشرفة التي لم أطالعها يوم من الأيام إلا خفق قلبي بسرعة وتذكرت كلمة ابن عمر “ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك”.
بينما أتقدم إذا يمسك بكتفي شيخ مصري ويسلم علي ويسألني بسرعة وبكلام متتابع كعادة إخوتنا المصريين: إنتا سعودي يابني؟
أخبرته أن نعم ، وكنت أظن أن سيسألني كعادة القادمين من غير السعودية عن مكان ما أو أنه تاه ويريد الفرج ، وقبل أن أبادره السؤال إذا كان يريد خدمة ، بدأ يتكلم عن واجبنا نحو الناس وأن نكون القدوة لهم وأن نلتزم بتعاليم الدين لأننا سعوديين وعندنا الحرمين الشريفين.
فأردت أن أبين أننا بشر من سائر البشر ومسلمين لا نتميز عن غيرنا وأن على كل الشعوب الإسلامية أن تكون قدوة في أخلاقها والتزامها بدينها.
فانتقل مباشر إلى نصيحة أخرى وهو يتكلم عن تعاملنا مع النساء وكيف أن الشباب السعودي اشتهر بمعاكسته للنساء ويسألني هل أعاكس الفتيات؟ وأنا أجيبه لا ، مع ابتسامة ، لكنه لا يبدو مهتما بالإجابة وهو يتابع ويخبرني أنه مدرس منذ أكثر من 21 سنة في السعودية وكيف أن ابنته الطبيبة عندما أرادت أن تكتب عقدا مع تاجر سعودي إذ يخبرها بمدى جمالها وحسنها فخرجت من عند الرجل قادمة إليه رافضة هذا العقد لأنه يعاكسها!
ويكرر الوصية ألا أعاكس بنات الناس ويسألني لماذا لا أتزوج؟ وقبل أن أجيبه بأني أنوي ذلك إن شاء الله فور تخرجي من الجامعة إذ يستمر في الكلام وهو يقول: عندك فلوس تزوج يابني وأحل لك الشرع أربع ولو عندي فلوس تزوجت أربع يابني.
ثم يستمر بالكلام بأنه يعرف شبابا كثر مثلي درسهم الرياضيات وهم يعاكسون بنات الناس! إلى أن انتهى وشكرته وسلم علي وانصرف وانصرفت.
موقف يصف أزمة كبيرة في مجتمعنا ولو أننا لسنا من يتفرد بها ، أحببت أن اشارككم إياه.
أرسلت فى وقفات | 8 تعليقات »
سبتمبر 20, 2008
أزمة الثقة

صديقتها متدينة ومتعلمة وقد تلقت تربية جيدة تحفظ شيئا من القرآن وعاقلة تعرف كيف تزن الأمور ، ولكن كل هذا لم يشفع لها أن تكون حيث تريد!
تريد أنت تخرج لترى صديقاتها في بيت إحداهن أو في المقهى أو في مدينة الألعاب ، تريد أن تستجيب للنداء الفطري والإنساني بأن تتعرف على الآخرين وأن تختلط بهم وأن تكون الصداقات ، فضلا عن لقاءات الأحبة في اجتماعات ليست كغيرها من تجمعات النساء بل يسمع فيها حديث هموم ذات صلة بالواقع المرير وأحاديث الهمة والتعلم والتثاقف. ولكن هيهات فهذه أمنية صعبة المنال لأن والدها يمنعها من ذلك.
حلمها حلم أي فتاة بل أي إنسان أن يحوز على الثقة المتبادلة. بين الأب وأبنائه والرئيس والمرؤوس والحاكم والمحكوم والأستاذ والتلميذ والشيخ وطالب العلم وكل علاقة ثنائية بين شخصين.
الأب يطلب من ابنته أن تثق به وبما يختاره لها وأنه أعرف بمصلحتها فعليها أن تسلم له وأن تعطيه الثقة لا أن تحاوره وتناقشه وأن تطلب منه أن العدول عن رأيه!
إنه يطلب منها مطلب منطقي بل شريف “الثقة” ، مبدأ جميل يحفز على الطمأنينة في العلاقات ، لكن هل الأب جاد في مطلبه هذا؟
الواقع أنه غير جاد ، إنه طلب من طرف واحد يحث على أن ينفذه طرف واحد أيضا ، الأب والرئيس والحاكم كلهم يطلبون من الطرف الثاني أن يثقوا بهم وبخياراتهم ، لكنهم أبدا لا يطالبون أنفسهم فضلا عن السماح للآخرين بأن يطالبوهم بالثقة بالطرف الآخر.
الأب يريد من ابنته أن تثق به ، لكنه لا يريد أن يثق بابنته ، هنا يكون انتقاص للمعنى الشريف لكلمة ثقة ، حتى أصبحت “كلمة حق أريد بها باطل”.
لماذا يا أبي لا تثق بي وتريدني ان أثق بك ، لماذا لا نثق ببعضنا البعض؟
لماذا أيها الرئيس تطلب منا كل مبدأ نبيل ولكنك لا تريد أن نتشارك في هذه المبادئ وكأننا نحن المكلفون وأنت المعفى من كل تكليف؟
لماذا أيها الحاكم تطلب منا وتسن لنا كل جميل نتغنى به ونفتخر به ثم عند التطبيق أول من يخالف المبادئ هو أنت؟
كلمة ثقة كغيرها من الكلمات النبيلة نسمعها كثيرا ويطالبنا الكثير بها ولكنها تحولت إلى سوط على ظهور الناس الذين ولدتهم أمهاتهم أحرارا ويحاول استعبادهم المستبد باسم هذا المبدأ النبيل!
أرسلت فى وقفات | 4 تعليقات »