لماذا تقول رأيك؟ وأقول رأيي؟
ألم يجيء في بالك يوما من الأيام هذا التساؤل؟
هل روادت الشكوك يوما من الأيام حول أهمية الكتابة وقوة تأثيرها؟
ألم تشعر يوما من الأيام بأن كتاباتك دون المستوى الذي تطمح إليه ودون كثير من الكتابات التي تقرءها وتحبها؟
إنني شخصيا ، تجيء في بالي هذه “الهواجس” وتصيبني بالملل والبرود أحيانا! ولكن لو جئنا من زاوية أخرى إلى موضوع الكتابة وتأملناه لرأينا جانبا مشرقًا يستحق الوقوف معه.
سمعت قصة بالأمس لا أدري عن مدى صحتها ولكن فيها عبرة:
ذكر لي صديقي أن الخليل بن أحمد مؤسس علم العروض والخبير الأول والذي لا مثيل له بالشعر العربي ، حيث حفظ أشعار العرب كلها ، وهو المتذوق المذهل للشعر ويعرف القيِّم من السقيم فيه.
يقول أنه كان يكتب الشعر ويقوله ثم يتأمل ما قاله فيجد أن من سبقه كتب أحسن منه فلا ينشره!! وهكذا يتكرر المشهد معه كثيرا وفي الأخير لا ينتج شعرًا ولم ينتج شعرًا.
لعل القارئ لا يقف عند شخصية القصة ، لأني مثله أشك بأنها صحيحة وربما أن صاحبي أخطأ ولم يكن الخليل هو صاحب القصة ،لأن للخليل قصائد معروفة مثل قوله:
إذا كنت لا تدري ولم تك كالذي *** يشاور من يدري فكيف إذن تدري
جهلت فلم تدر بأنك جاهل *** وأنك لا تدري بأنك لا تدري
ومن أعظم البلوى بأنك جاهل *** فمن لي بأن تدري بأنك لا تدري
رب امرئ يجري ويدري بأنه *** إذا كان لا يدري جهول بما يجري
المقصود من إدراجي لهذه القصة ، أن نتأمل فعلا في هل هذا العمل يجدي نفعا أم لا؟
لو أن كل شخص فكر بهذه الطريقة هل كان هناك نتاج فكري وثقافي وأدبي تفخر به الأمة؟
يعلم الإنسان دائما أن قدراته محدودة ومحصورة وهذه سنة الله في الخلق أن لم يجعل منهم أحدا كاملا ، فله الكمال المطلق -جل وعلا- ، ولو كمل بعض البشر في بعض الجوانب مثل الأنبياء فيما يبلغون عن ربهم.
وأيضا لن يكون الإنسان قامة وقمة بسرعة الضوء وبطريقة مذهلة ، بل لابد من تعويد النفس وتطوير مهاراتها ، ولن يكون ذلك بدون التجريب والإنتاج ثم نقد الذات والتصحيح الجريء.
من المشكلات التي تنتشر في بيئاتنا هي تحطيم الذات ودفن المواهب وكبت الطاقات ، عندما يقول امرؤ رأيًا ما ، فإنه يواجه بسلاح المقدس والصنم ، ذاك الصنم هو الشخصية التي تمتلك هيبة عند قوم ما ، والتي يكون قولها هو الفصل وهو الحق ومخالفته مخالفة للصواب!! وقد يواجه بمعوقات أخرى مثل التسفيه والتحقير والاستهزاء!!
قد يكون من الناحية الموضوعية والعلمية أن ذاك “الصنم” رأيه هو الصواب وهو الأقرب للحقيقة وعند التأمل يترجح رأيه ، ولكن هل طريقتنا في التعامل معها صحيح أم خاطئ؟
إنه لا نهاية للفكر والعلم والعقل والفهم ، ومن زعم ذلك فقد وقع في خطأ عظيم ، وبديهي من هذه الفكرة البديهية أن أقوال الأشخاص ليست نهاية العلم وليست القول الفصل الذي يميز الحق من الباطل ، بل تبقى أقوالهم اجتهادا منهم فيها نسبة خطأ وصواب. فالبشر أشخاصهم فعلا محدودة الفكر والفهم ولكن الفكر والفهم غير محدود.
ولذلك فإن مواجهة الآراء بسلاح “الصنم” ليست إلا خطوة في تحطيم الإبداع ودفن للمواهب ، ولن تنمو هذه الطاقات وتتفجر إلى في جو من الأمن الذي يكفل لكل شخص أن يقول ما يراه صحيحا.
والإيمان بهذا والعمل على توفيره في بيئة ما سيجعل منها جوا صحيا يدار الخلاف فيها بطريقة جادة ومثمرة ، وتجعل من الأفكار الإبداعية التي تنمو في هذه الجو عملا على أرض الواقع وتفوقا وإنجازا غير متناهي. بخلاف عندما يتم كتم وكبت هذه الإبداعات.


اغسطس 15, 2008 عند 2:45 م |
نحن في زمن يا وليد يكره الأسئلة و الخروج على المألوف حتى ولو كان لا يصادم الشرع ..
يخاف كثير من المبدعين ما ينتظرهم من قومهم عند البدايات المتعثرة ..
اغسطس 16, 2008 عند 4:35 ص |
ولا أشد عليّ من أن يردف الكاتب أو المتحدث رأيه الشخصي بعبارة تنزيه كـ “لا ينكر هذا عاااقل”..!! واصماً – بشكل غير مباشر – من يخالفه الرأي بفقد العقل و الفكر!
مقال حلو و ياليتنا نسمح لأنفسنا تكتب فعلاً..!
كل التحية لك وليد
اغسطس 17, 2008 عند 3:09 م |
حياك أخي نادر ومرحبا بك.
بالفعل هنا الإشكال ، بل وأحيانا تصادم بعض الأفكار باسم الشرع وهي أصلا لا تصادم الشرع وفي حالات تكون من صميم الشرع!!
وكم سيصنع الجو الحر من مبدعين!!
شكرا لك.
اغسطس 17, 2008 عند 3:15 م |
مرحبا أخت هيفاء.
هه ، ما أكثر هؤلاء ، وهذه حجة من لا حجة له أحيانا ، حيث يقدم بهذه الكلمات دون الإدلاء بالحجج العقلية الحقيقية!!
لك التحية وشكرًا لك.
اغسطس 21, 2008 عند 11:48 م |
ولن تنمو هذه الطاقات وتتفجر إلا في جو من الأمن الذي يكفل لكل شخص أن يقول ما يراه صحيحا…
لا فض فوك..
نحتاج إلى خلق مثل هذه الأجواء في بيئاتنا وكسر هيبة هذه الأصنام في قلوبنا وقلوب الآخرين …
شكرا أخي وليد على هذا الكلام الرائع..
اغسطس 31, 2008 عند 8:28 ص |
لا فض فوك ..
استمعت بشرب قهوتي بين جنبات حرفك الرائع ..
ربما سأعتاد المجيء هنا …
صباحك بنفسج وعبق من ابداعك..
سبتمبر 1, 2008 عند 2:10 ص |
السلامے عليكمے ورحمة الله وبركاتهے
هنيئاً لنا بشهرٍ تجلى .. رفع الله بالكتابے مقامهے
كل عامے وأنتے إلى الله أقربے .. ๓
سبتمبر 3, 2008 عند 5:28 ص |
أخي أحمد ، أهلا بك وشكرا على مرورك الرائع.
سبتمبر 3, 2008 عند 5:29 ص |
فجر يبدد الظلام ، مرحبا بك دائما
شكرا على حسن ظنك ، ولطف عبارتك.
سبتمبر 3, 2008 عند 5:30 ص |
صاحبة المدينة الزرقاء مرحبا
وكل عام وأنت بخير