المسيري سيبقى خالدًا

By وحي القلم

لم يكن يوم الخميس الثامن والعشرين من شهر جمادى الآخر يومًا عاديًا ، ولم يمر ولا ما بعده من الأيام كغيره من الأيام ، إنه لم تحدث تلك الهزة الأرضية التي استيقظ الناس على إثرها ، ولم تقم حربا كونية تأكل الأخضر واليابس ، ولكنها هزة من نوع آخر ، وللأسف أنني لا أستطيع أن أمثل هذا الحدث إلا بالتصوير المادي البحت والتشبيه بمثل هذه الأحداث لتقريب الصورة إلى عزيزي القارئ.
إننا معشر البشر لا زلنا غير واثقين من قوة الفكر والعقل والفهم ، بل نفكر بصورة غابوية بطريقة أيهما الأقوى ومن يملك عضلات أكبر ، إن صورتنا عندما كنا أطفال ونحن نتجادل مع أترابنا عن أيهما أفضل سيارة أبي أم سيارة أبيكلم تتغير عند من بلغوا سن الرشد وهم يستعرضون الصواريخ ويرد عليهم الجار باستعراض طائرة!!
هكذا للأسف يفكر بعض البشر الآن ، وضاعت القيم الإنسانية الفطرية السوية وساد مذهب ولغة القوة المادية على أصل التمييز الإنساني للإنسان ، حتى أن مقولة الملائكة في البشر لا زالت موجودة في حق بعضهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ولم يتعلموا ويسيروا في طريق والدهم وعلم آدم الأسماءلغة العلم والمعرفة والفهم والعقل.
بل وحتى كثير من المسلمين الذين يفترض منهم أن يكونوا الأمة التي تقود العالم وتصلح في الأرض لا زالوا على حالة الركون إلى الإرض والسلبية ، وكأنه لم تتنزل أول آية فيهم اقرأ باسم ربك الذي خلقثم التأكيد عليها في نفس السورة اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم“.
إن قيمة الإنسان الفعلية في هذا الكون ، هي التي جعلتني أقول أن ذاك الخميس يوم لا ينسى وينبغي ألا ينسى ، إنه في المقياس المادي البحت هو كارثة ينبغي تفاديها ، ولكننا كمؤمنين وفطرنا ينبغي أن تكون سوية ، فإننا نقول أنه حدث يحزن القلب ويدمع العين ، وهو طريق كل الناس سالكوه.
إن قوة هذا الحدث تكمن في نقطتين ، أولهما: هو قوة ما فقد ذلك اليوم. وثانيها: الحالة التي عليها العالم الإسلامي بحيث لا يعرف قيمة رموزه إلا بعد موتهم وأحيانا لا تعرف قيمتهم حتى بعد موتهم.
توفي المسيري رحمه الله بعد أن عاش حياة أبدع فيها أيما إبداع وعاش جادا يفكر في مشاكل الأمة وكيفية الخروج منها ، وهنا تكمن قيمة المفكر ، أنتج رصيدا علميا ضخما ، مما تفخر به المكتبة العربية والإسلامية بل وحتى المكتبة الأدبية العالمية. ولم يقف هنا رحمه الله بل نزل إلى الميدان مجاهدا بنفسه ضد الإستبداد والطغيان ، وما منعه مرض أو جاه أن ينزل مع البسطاء من الناس ، بل إنه التحم بجسده يوم التحمت الصفوف!!
إن المنصف يختلف مع المسيري أو يتفق معه ، لكنه أبدا لا ينكر أنه عاش حرا يقاتل بفكره وقلمه ولسانه من أجل عقيدته ، لم يكن المسيري اسطوانة تسجيل ردد ما يقوله السابقون وجمد عليه ، ولم يكن ذلك المجامل على حساب عقله واستقلاله ، كم تحتاج الأمة إلى أمثال المسيري ، أولئك الذين ليس يسري في دمائهم الجبن والخلود إلى الأرض بل تسامت نفوسهم إلى معالي القيم والأخلاق.
رحم الله المسيري وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة ، سيبقى خالدا ما دام فكر.

اترك رد