أرشيف اغسطس, 2008
رمضان كريم
اغسطس 31, 2008جعلنا الله من المقبولين في هذا الشهر الفضيل وأعاننا على صيامه وقيامه وابتغاء مرضاته
لماذا نكتب؟ ولماذا لا نكتب؟
اغسطس 14, 2008لماذا تقول رأيك؟ وأقول رأيي؟
ألم يجيء في بالك يوما من الأيام هذا التساؤل؟
هل روادت الشكوك يوما من الأيام حول أهمية الكتابة وقوة تأثيرها؟
ألم تشعر يوما من الأيام بأن كتاباتك دون المستوى الذي تطمح إليه ودون كثير من الكتابات التي تقرءها وتحبها؟
إنني شخصيا ، تجيء في بالي هذه “الهواجس” وتصيبني بالملل والبرود أحيانا! ولكن لو جئنا من زاوية أخرى إلى موضوع الكتابة وتأملناه لرأينا جانبا مشرقًا يستحق الوقوف معه.
سمعت قصة بالأمس لا أدري عن مدى صحتها ولكن فيها عبرة:
ذكر لي صديقي أن الخليل بن أحمد مؤسس علم العروض والخبير الأول والذي لا مثيل له بالشعر العربي ، حيث حفظ أشعار العرب كلها ، وهو المتذوق المذهل للشعر ويعرف القيِّم من السقيم فيه.
يقول أنه كان يكتب الشعر ويقوله ثم يتأمل ما قاله فيجد أن من سبقه كتب أحسن منه فلا ينشره!! وهكذا يتكرر المشهد معه كثيرا وفي الأخير لا ينتج شعرًا ولم ينتج شعرًا.
لعل القارئ لا يقف عند شخصية القصة ، لأني مثله أشك بأنها صحيحة وربما أن صاحبي أخطأ ولم يكن الخليل هو صاحب القصة ،لأن للخليل قصائد معروفة مثل قوله:
إذا كنت لا تدري ولم تك كالذي *** يشاور من يدري فكيف إذن تدري
جهلت فلم تدر بأنك جاهل *** وأنك لا تدري بأنك لا تدري
ومن أعظم البلوى بأنك جاهل *** فمن لي بأن تدري بأنك لا تدري
رب امرئ يجري ويدري بأنه *** إذا كان لا يدري جهول بما يجري
المقصود من إدراجي لهذه القصة ، أن نتأمل فعلا في هل هذا العمل يجدي نفعا أم لا؟
لو أن كل شخص فكر بهذه الطريقة هل كان هناك نتاج فكري وثقافي وأدبي تفخر به الأمة؟
يعلم الإنسان دائما أن قدراته محدودة ومحصورة وهذه سنة الله في الخلق أن لم يجعل منهم أحدا كاملا ، فله الكمال المطلق -جل وعلا- ، ولو كمل بعض البشر في بعض الجوانب مثل الأنبياء فيما يبلغون عن ربهم.
وأيضا لن يكون الإنسان قامة وقمة بسرعة الضوء وبطريقة مذهلة ، بل لابد من تعويد النفس وتطوير مهاراتها ، ولن يكون ذلك بدون التجريب والإنتاج ثم نقد الذات والتصحيح الجريء.
من المشكلات التي تنتشر في بيئاتنا هي تحطيم الذات ودفن المواهب وكبت الطاقات ، عندما يقول امرؤ رأيًا ما ، فإنه يواجه بسلاح المقدس والصنم ، ذاك الصنم هو الشخصية التي تمتلك هيبة عند قوم ما ، والتي يكون قولها هو الفصل وهو الحق ومخالفته مخالفة للصواب!! وقد يواجه بمعوقات أخرى مثل التسفيه والتحقير والاستهزاء!!
قد يكون من الناحية الموضوعية والعلمية أن ذاك “الصنم” رأيه هو الصواب وهو الأقرب للحقيقة وعند التأمل يترجح رأيه ، ولكن هل طريقتنا في التعامل معها صحيح أم خاطئ؟
إنه لا نهاية للفكر والعلم والعقل والفهم ، ومن زعم ذلك فقد وقع في خطأ عظيم ، وبديهي من هذه الفكرة البديهية أن أقوال الأشخاص ليست نهاية العلم وليست القول الفصل الذي يميز الحق من الباطل ، بل تبقى أقوالهم اجتهادا منهم فيها نسبة خطأ وصواب. فالبشر أشخاصهم فعلا محدودة الفكر والفهم ولكن الفكر والفهم غير محدود.
ولذلك فإن مواجهة الآراء بسلاح “الصنم” ليست إلا خطوة في تحطيم الإبداع ودفن للمواهب ، ولن تنمو هذه الطاقات وتتفجر إلى في جو من الأمن الذي يكفل لكل شخص أن يقول ما يراه صحيحا.
والإيمان بهذا والعمل على توفيره في بيئة ما سيجعل منها جوا صحيا يدار الخلاف فيها بطريقة جادة ومثمرة ، وتجعل من الأفكار الإبداعية التي تنمو في هذه الجو عملا على أرض الواقع وتفوقا وإنجازا غير متناهي. بخلاف عندما يتم كتم وكبت هذه الإبداعات.
مقطع يبين ضرب الجيش الروسي لجورجيا
اغسطس 12, 2008
المسؤولية الأخلاقية للمثقف: ‘سولجنتسن’ أنموذجا
اغسطس 12, 2008المسؤولية الأخلاقية للمثقف: ‘سولجنتسن’ أنموذجا

قد لا يكون أليكسندر سولجنتسن كاتبا عظيما، ولكنه قام بدور أخلاقي عظيم، لمقاومة الفساد والاستبداد، فرسالة الكاتب ترفعه كما تضعه أيضا، وليست فقط قدراته الأسلوبية، ولا إمكاناته المعرفية، وعندما نتحدث عن كبار الكتاب فإننا نتحدث في النهاية عن كبار المؤثرين، ولسوف يتوارى كتاب كثيرون مبدعون أسلوبيا ولكنهم ضعاف في أفكارهم، أو لأنهم لم يعالجوا من الأفكار والقضايا ما يستحق البقاء.
سولجنتسن أحد الذين مزقوا مجد روسيا الصوري في المخيلة العالمية، ولطخوا سمعة استبدادها بالتراب، وأسقط قيمتها الأخلاقية، من خلال الحديث عن سجونها، ولا شك فإن معسكرات التعذيب السياسية عار على أية أمة، فلو كان لدى السلطة موقف ثقافي وسياسي مقنع وكريم شريف لما لجأت لسجن مثقفيها وسياسييها المحترمين، كان هذا الروائي ممثلا للأرواح الحرة المقهورة في بلاده. وكان قوله الشهير: “لا أحد يستطيع أن يعيق الطريق إلى الحقيقة، وإني مستعد لقبول الموت في سبيلها” تمثيلا فعليا لحياته، وصبره واستمراره.
تابعت كثيرا من المقابلات والمقالات التي كتبت عن سولجنتسن منذ زمن وقرأت مبكرا عن حياته وأفكاره، غير أن القيمة التي شدت العالم نحوه هو موقفه الأخلاقي وشعوره بالمسؤلية تجاه إسقاط الفساد والاستبداد، وما هي رسالة المثقف إن لم يعش ظروف الناس، ويساهم في تحرير نفسه وروحه وأرواح الناس من المعقدين والمرضى بالاستبداد وحب السيطرة على الناس، والجمهور يبادلون المثقف الرسالي تقديرا لما قام به، وبما ناصر الحقوق العامة، ويكافئونه حيا وميتا بالتقدير والإجلال، ويعيش في القلوب عمرا ثانيا، إنهم يحترمون الكاتب الحر، الكاتب الذي يرى كرامة الإنسان من أعلى ما يجب أن يصان، الكاتب الذي يقف مع حرية الناس لا مع إطلاق أيدي المستغلين والمفسدين والمستبدين، وقد عاجله المستبدون فعوقب الكاتب بسبب كرامته وشرفه وعلو همته كأي مثقف في بيئة فاسدة مستبدة، ثم كانت عاقبة المجد له.
روسيا الستالينية لم تطق نقد الزعيم المعصوم من الخطأ، و ورثة الاستبداد من بعده لم يطيقوا وجوده، فأخرجوه من بلده، ولكن الدرس الكبير الذي لا ينساه التاريخ للمثقفين الروس أن طائفة شريفة منهم كانت تدك باستمرار جدار الاستبداد حتى أسقطته، كانت تعمل بجد لهدم جدار الوثنية الشيوعية المستبدة، إذ أن المثقف الذي لا يهدم ولا يساهم في جدار الظلم والوثنية ولا يعمل لتحرير الإنسان ولا يعيش همومه لا أهمية له، والمثقف المروج للاحتلال وللاستبداد شر على مجتمعه مهما أعطي من منصب وأوسمة، المثقف الحامي لشر الاستبداد عدو للكرامة وللمجتمع وللحكمة وللإنسان.
* الثقافة الروسية:
المثقفون الروس كتب عنهم كثيرون نصوصا رائعة مفسرة لدورهم في صياغة السياسة والفكر في بلادهم، كتبت عنهم دراسات عن حسناتهم وسيئاتهم ولكن العالم يشهد للمثقف الروسي في روحانيته وفي وثنيته في شيوعيته وفي هدمه للشيوعية بدور الكبير، المثقف الروسي ربما قلد، وربما كان جزئيا، ولكنه أنتج، ربما أخطأ كثيرا، ولكنه كان حريصا على تصفية أخطائه، ربما كان شهوانيا أو روحانيا كتولستوي، حركيا ومفكرا مثل بليخانوف، حاسما صاعقا وصوليا كلينين، عبقريا واسع الحيلة والأفق مهووسا بالعمل والثقافة والحركة كتروتسكي، ولكنه في الوقت نفسه ساهم بدور كبير وخاطر ومات واتهم وطرد وخون وسجن ونفي، ولكن المثقف الروسي في النهاية هدم الوثن وحاول دائما أن يحيي الحرية، أو هكذا نراه.
الفيلسوف إليسع برلين كان من خير من درس دور المثقف الروسي، ومن ألمع من انتقده وقيمه، كيف وقد تمتع بعقل وثقافة واسعة، وحدة ذهن نادرة، وجند نفسه لمحاربة الشيوعية وثقافتها، وقد عاش بين ثقافتين وكانت لغته الأولى الروسية، وعاش محاربا للشيوعيين، محللا لأفكارهم وحياتهم، وعكف سنين على تحليل أعمالهم وسلوكهم وفهمهم، ولكن بالرغم من التقدير الكبير لنقده القاسي لجزئية واختزالية المثقف الروسي، ولكن ماذا نقول لهذا المثقف العاصف، وربما المتطرف، والمضحي كثيرا، المبدع في غضبه وفي أدبه كما اعترف به العالم.
وقد شكر الشعب الروسي دور مثقفه الرسالي في تحريره، وشكر تلك النشرات السرية، والنسخ الكربونية التي كانت توزع كاشفة مصائب الديكتاتورية، بما فيها النسخ السرية لرواية سولجنتسن “أرخبيل القولاق” التي دست نسخة منها في صندوق جثمانه، ذلك “الكتاب الذي غير عقول الملايين، وجعلهم يعيدون التفكير في ماضيهم وحاضرهم”، كما قال جورباتشوف في رثاء سولجنتسن، وزاد: “قصة حياته نادرة، وسيبقى خالدا في التاريخ الروسي”. ونعته وكالة إنترفاكس الروسية بأنه: “من أول من كشف عن وحشية السجون في زمن النظام الستاليني” وأكبر الشعب من دور المثقفين الأحرار، وشكر تضحياتهم وسجنهم وجهودهم العظيمة، التي قد تبدو أحيانا هوجاء، ولكنها كانت دائما ترمي بشر الاستبداد إلى مزبلة التاريخ بلا هوادة.
* رحلة حياته:
ولد سولجنتسن في القوقاز عام 1918م ونشأ يتيم الأب، فربته أمه المتدينة مع إخوته الثلاثة وأخته، وعلمته القراءة بالانجليزية ـ التي لم يجد الحديث بها حتى بعد إقامته عقدين في أمريكا ـ وصودرت أرض أسرته صغيرا، وكان متدينا في شبابه، يحمل صليبا على رقبته، ثم تبنى الموقف الشيوعي لاحقا، ثم رجع عنه في كهولته أو خريف عمره، وكان منذ مراهقته يأمل أن يكون كاتبا شهيرا، وألف صغيرا ولم يجد من ينشر له، درس الفيزياء والرياضيات في جامعة رستوف، وخدم في الجيش الروسي في الحرب العالمية الثانية، ولم يبال في شعره بفضائع زملائه الروس في بولندا، ولام ـ لاحقا ـ الغرب الذي لم يشارك ولم يبال بالموتى في شرق أوروبا وتأخر عن محاربة النازية، لأن الغرب لا يهتم بالموتى من الآخرين ـ كما لم يهتموا بأحزان الفيتناميين لاحقا ـ كما يقول!
في نهاية الحرب قبض عليه بسبب رسالة كتبها لصديق أظهر فيها عدم الاحترام “لصاحب الشارب” عنى “ستالين”، فحكم عليه بثماني سنين ثم استمرت المعاناة، وعمل مدرسا في المرحلة الثانوية درس الفيزياء والفلك، ثم طور معارفه ودرس لاحقا بالمراسلة في معهد التاريخ والفلسفة، والآداب في موسكو، وبسبب براعته وتفوقه في الرياضيات فقد نجا من الموت، وأحيل لاحقا إلى سجن مخصص للعلماء المساجين بحيث يستفاد من علمهم ويبقون في المعتقل، في ضواحي موسكو.
كان في النهار يعمل في برنامج متقدم جدا في الرياضيات والتقنية: “التعرف على الصوت آليا لتحويله إلى نص” أو: “فويس ريكوجنشن”. وفي المساء كان يجد وقتا للنقاش ولكتابة مخططات مؤلفاته ويكتب الأشعار، في هذا السجن وجد حرية نسبية بحيث أصبح بإمكانه أن يلتقي ليليا بسجينين آخرين كانا مثقفين وناقشا معه جوانب فكرية عديدة وكان من ثمرة هذه النقاشات كتابه: “الحلقة الأولى”. لم تدم هذه النعمة، فقد صدر منه احتقار لعمل القائد العسكري المشرف على المعسكر فنفي إلى سجن سيئ في كازخستان. وعنه وفيه كتب: “يوم في حياة دينسوفيتش” هذا الكتاب الذي قدم كاتبه للعالم، علما بأنه أثير حول النص شائعات تقول بأن الكتاب ليس له، ولم يؤكد لاحقا لا نفي ولا إثبات.
ومن الطريف في مقاومة السجن الذي حرم فيه من الورق والأقلام أنه كان معه سجناء كاثوليكيين من ليثوانيا، وكان كل منهم قد صنع لنفسه من الخبز الممضوغ سبحة يسبح بها، ثم يخفيها تحت فراشه، فاستخدم سولجنتسن هذه التقنية في صناعة سبحة أطول بكثير من سبح الأذكار التي معهم، وأصبح يحفظ مع كل حبة من السبحة جملة أو جملا طويلة، من الكتاب الذي كان يؤلفه، ثم ينتقل إلى الحبة التالية فيحفظ بها مقطعا جديدا، حتى استطاع أن يحفظ مقاطع من كتابه بلغت إثني عشر ألف سطر، أفرغها على الورق بعد خروجه.
ولعل هذا المشهد يذكرك بمعاناة السرخسي الذي أملى كتابه المبسوط من جب، أو ابن تيمية الذي أخذت بعض كتاباته من سجنه وكان سجلها على الجدران، أو جرامشي، أو معاناة سيد قطب، أو مانديلا وتهريبه لكتاباته، أو علي عزت بيجوفتش من الأفذاذ الذين أنجبوا في السجن عملا أو وعيا أو فكرا للعالم، وقاوموا القهر بالمواجهة أو الحيلة.
أصيب فيما بعد بالسرطان وعولج منه في طاشقند 1954م، وشفي وكتب عن هذا كتاب: “عنبر السرطان”؛ عن حاله في المشفى يقارن نفسه بمرضى لهم أقارب يزورونهم ويسألون عنهم، أو سيعودون لهم بعد الشفاء، أما هو فلا أحد له في العالم يسأل عنه، إلا الجواسيس والشرطة تكتب التقارير عنه كل أسبوعين، وإن خرج فسوف يعود لصحراء كازخستان! وفي عام 1956م أفرج عنه زمن خرتشوف، ثم عادت القيود على أعماله عام 1967م بعد تولي بريجنيف بعامين.
وبعد عامين صوت فرع اتحاد الكتاب في بلدته بأغلبية: 5\1 على طرده، وبعد 11 شهرا من ذلك منح جائزة نوبل، وثارت الضجة حول كتاباته، ففي الوسائل الإعلامية وكلها رسمية انصبت عليه سحائب الهجاء والتحقير والتهوين من عمله ومن قدره وعده بعضهم تدنيسا للتراث وللأدب الروسي، أما الكاتب الشجاع وربما الوحيد الذي دافع عنه وأرسل دفاعه للصحافة المحلية فلم ينشر دفاعه، ونشر في خارج روسيا، فنال سخط الحكومة وجمهورها وانعزل بضع سنين في منزل ريفي خائفا يتوجس عواقب كلمة الحق.
وبالرغم من التضييق على سولجنتسن فقد سربت إليه رسائل من الخارج تتضمن الإعجاب بـ: “شجاعته، وأعماله الإبداعية، وتأييده للشعور والكرامة الإنسانية، وفضحه للذين يدوسون الروح والقيم الإنسانية”
الحياة الشخصية لسولنجنتسن ليست فريدة من نوعها في روسيا، فلم ينل الإرهاب الرسمي والعنف المثقفين وحدهم، بل طال فئآت واسعة من الشعب، فقد أهين وعوقب بغير سبب من الشعب الروسي ما يزيد عن ستين مليون مواطن، قضت ملايين منهم نحبهم في سجون أو معسكرات العمل الشاقة التي وصفها الروائي المناضل عن أمته، وكثيرون قبله وبعده، وعدد هائل من المثقفين وقيادات الروس عانوا وسجنوا ونفوا أو أعدموا، و صنع بعضهم أنموذجا للمثقف الصادق العامل لتحرير شعبه من العبودية، سواء كانت القيصرية قديما أو الشيوعية أخيرا، فما إن أهانت القيادة الشعب حتى هانت القيادة، وذلت واستخف بها العالم، لأن من عز شعبه عز، ومن ذل شعبه ذل وأحتقر.
المثقف الروسي يمكن مقارنته إلى حد كبير بالمثقف الفرنسي، أستاذه لغة وفكرا، المثقف الفرنسي الذي صاغ ثقافة القرن الثامن عشر في بلاده، ثم ثقافة التاسع عشر في خارج بلاده وفي العالم أيضا، ذلك المثقف الفرنسي الذي حصل على قداسة اجتماعية لا تنسى منذ زمن فولتير وديدرو، وروسو، ومنتسكيو، الذي صنعوا عقلا جمعيا حرا رمى بالكبت والاستعباد الديني والسياسي خلفه وحرر شعبه، وقد كان التحرير مريرا ومخطئا أحيانا وأجرم بعض قادته، ولكنه في النهاية ألقى بنور من تحرير الإنسان على ظلام أوروبا ورأى الإنسان بعض حقوقه تمارس ويتحدث الناس عنها بعد زمن.
* توظيف الجوائز:
الصراع الأمريكي الشيوعي أعطاه نوبل، كما المواجهة الإسلامية المسيحية اليوم أعطت نوبل للكاتب الكاره للمسلمين نيبول، وللتركي باموك، فلو لم يصرح هذا الأخير بالإلحاد، وبنقده للأتراك ضد الأرمن، لما ذاق طعم شهرتها، وكتاب كثيرون في بلاد العرب والعالم يسلقون العرب والإسلام وأهله بألسنة حداد طمعا في جائزة، وقد نال بعضهم أجره مقدما وآخرون ينتظرون، فهذه الجوائز الأدبية قل أن تعرف البراءة من الرسالة السياسية، بسبب أثرها في مجال الترويج الفكري.
والزمن القادم قد يعد بالكثير من الحروب الثقافية، واستخدام الفن في الحرب الإسلامية المسيحية، وكم نرجو ونتمنى تجنيب الأدب والفن من استخدام السياسة له، ولكن الخبرة الغربية، والسلوك الإمبراطوري لا يفرق بين المسارين، ويعلن لنا كل يوم عن حرب ثقافية، لها وقودها وضحاياها، وغالبا سيكون الأدب والفن أسيرين لهذا الصراع لزمن غير قصير! قد تمر نادرا جوائز، أو تفرض شخصيات نفسها، أو أمم شخصياتها، ولكن هذه استثناءات، وكما كانت نوبل ميدان حرب ثقافية على روسيا، فستكون أيضا ميدان حرب على المسلمين، والمقاومين للسيطرة الإمبراطورية، من أية أمة، ما دامت الشعوب تستنكر الاحتلال والعبودية الاستعمارية، وتحترب مع المسيحية المتطرفة المسلحة والفاشية الصهيونية.
بقي أن نعلم أن مثقفين روسا كثيرين كانوا من آلات الشر التي استخدمها الطغاة الشيوعيون، و وسائل القمع القاتلة للإنسان وللكرامة زمنا، ولكن قيمة المثقف في دوره في تحرير نفسه ومجتمعه من الهوان ومن شرور الاستبداد، وكل مثقف أو زعيم أو كتاب أو مقال نجد قيمته فيما يقدم لنا وللمستقبل من خير نحتاجه ومن روح نحييها ومن شر نخفف منه أو نبعده. ودائما نجد مثقفين باعوا أنفسهم بثمن بخس لشر المستبدين وللهوان والذل والخيانة، وحاربوا أمتهم، بسلاح العدو، وخانوا كرامة الأمة وعزتها، وآخرون نبلاء وأشراف أكرموا أنفسهم وأمتهم فكرّمهم العالم في حياتهم وسيحترمهم بعد مماتهم، وإن قضوا في السجون ردحا من الزمن مثل سولجنتسن.
أهم أعماله: “يوم في حياة إيفان دنسوفيتش” عام 1962م الرواية التي أرسلها إلى صديقه الذي قاسمه الزنزانة أعواما طويلة، والكتاب عن يوم في حياة سجين، بكل ما فيها من شقاء، حيث تكون سعادة المسجون كبيرة لأنه لم يكن في ذلك اليوم في: “زنزانة منفردة، واستطاع أن يسرق قطعة من العصيدة، أو أن يشتري دخانا.” تلك كانت متعة السجين!
وقد تمكن الناشر من أن يطلع خرتشوف على الرواية وأن يقرأها الزعيم السوفيتي بنفسه، ثم حولت كالعادة للرقابة فترددوا في نشرها، وكما أشار الكاتب في مذكراته فقد طلب خرتشوف نشرها، وأنكر على المراقبين، قائلا: “إن في جلد كل منكم ستاليني وحتى أنا في ستالين، ولا بد لنا أن نقتلعه من قلوبنا”! ولعل من الطريف أن أشير هنا إلى الرعب الذي نشره ستالين من حوله، في حياته وبعد موته؛ حتى إن زعماء السوفيت كانوا يتحدثون في غرفة مجاورة للغرفة التي كانت فيها جثته فكانوا يتهامسون بالكلمات خوفا أو رعبا منه حتى بعد * موته!
لقد نشرت نصوص كثيرة رائعة عبر العالم عن حياة المناضلين في المعتقلات، وكانت رصيدا للحرية والأحرار، فرفع الضحايا أعلام الكرامة الإنسانية، وارتفعوا على الفاسدين المستبدين بما تركوه من نصوص خالدة.
ساهم الانفتاح الجزئي في عهد خرتشوف ونقده لعهد ستالين في تخفيف جزئي و مؤقت عن الشعب ومثقفيه، ولكن الدورة دارت وعاد الديكتاتوريون ومنعوا توزيع كتب المؤلف وصادروا مخطوطاته واتهموه بالخيانة الوطنية، وحرموه من عضوية اتحاد الكتاب الروس، ولكنه صور مخطوطاته على مايكرو فيلم واستطاع تسريبها إلى خارج روسيا، وطلب من الناشرين في الغرب ألا ينشروا كتبه المهربة، ولما استجوبت الكي جي بي المرأة التي نسخت مخطوطاته وعذبوها فاعترفت ونبشوا عن النسخ فانتحرت شنقا بعد قليل، ولهذا غير رأيه وأرسل لناشريه في الغرب لينشروا أعماله بعد الكشف عنها، وقد تاجر الغرب بقضيته في الحرب الباردة، وتعاطف معه كتاب أكثرهم يساريون غربيون، وكانت روسيا تراعي مواقفهم من أمثال سارتر وجونتر جراس وآرثر ميلر وجراهام جرين وجون أبديك، فتضامنوا معه، ونادوا بمقاطعة دولية للثقافة الروسية بسبب موقفها من المثقفين وبخاصة سولجنتسن.
* رحلة المنفى:
نال سولجنتسن نوبل عام 1970م ولم يسافر ليتسلمها وبقي في روسيا خوفا من أن يمنعوه إن خرج من العودة، ولكنهم في النهاية أخرجوه من وطنه، بسبب وطنيته وإخلاصه وحميته للشعب المضطهد، ومن عادة المستبد الهلوع المفسد أن يتهم المخلصين بالخيانة لبلادهم؛ لأنه يرى أنه هو الأرض والدولة والناس، ومن كشف خيانته وشنائعه، فقد خان الدنيا كلها، لأن المستبد حلولي العقيدة؛ يرى كل ما يسيطر عليه ملكا له، وجزءا من نفسه وبدنه وماله، فمن أبان عيوبه وفضائعه فقد أساء وأجرم ضد العالم كله، إذ هو العالم والعالم هو، وليس من واجب للجميع إلا الذوبان في رغباته، والخضوع لهواه وشهواته، والتصفيق لحماقاته، غير أن جواب الضمير الحي للمثقف، أن تعالى على دناءة المستبد، وغروره ومرضه، وكشف شروره، فاتهم الكاتب بالخيانة، وحرم من الجنسية الروسية في عام 1974، وأخرج، وفي طريقه إلى الطائرة التي أقلته إلى فرانكفورت ـ في ألمانيا الغربية ـ لبس قبعة مهترئة وجلد خروف كان يستدفئ به في سني منفاه الرهيبة، كان ذلك مظهرا رمزيا لم يصطنع أصله، بل أراد أن يشهد العالم ما كان يحدث له ولقومه من اضطهاد.
توجه لألمانيا ثم سويسرا ثم أمريكا حيث جاء بدعوة من جامعة ستانفورد، ثم انتقل إلى مدينة كافندش في ولاية فرمونت، وهناك قضى ثمانية عشر عاما، وكان منعزلا لا يكاد يقبل مكالمة إلا نادرا، يقضي وقته يفكر ويكتب، حيث بنى ملحقا ببيته خصصه للكتابة، كان يكتب بغزارة، ومن ذلك تاريخه الروائي المطول للاتحاد السوفيتي الذي جاوز خمسة آلاف صفحة، بعنوان “العجلة الحمراء” ولم ينل الكتاب كبير اهتمام من القراء ولا المؤرخين. وكان في منفاه يأمل أن يعود لبلده قريبا، ولم يقبل الجنسية الأمريكية، وعاش غريبا في ملاذه هذا، وأوضح: “إنه من أجل أن يكون مقبولا في الغرب فقد كان عليه أن يتخلى عن طريقة حياته وكتبه.” وكان يرى الخلاص لبلاده وغيرها في التمسك بالقيم المسيحية، وليس بعيدا أنه حن لثقافة شبابه المبكر، أو استعاد قيم وروح تولستوي الدينية، وقد كان يحاول أن يتشبه به.
كان في منفاه يقضي وقته مع أسرته بادئا يومه بالصلاة أن يعود لموطنه، وساعدته على هذه الحياة زوجته ـ الثانية ـ التي ناضلت معه سرا من قبل في نشر كتاباته، التي كانت تهدم الاستبداد، وقد حررت ونسخت من كتبه عشرين مجلدا، ونشر منها أكثر من ثلاثين مليون نسخة، وترجمت لأربعين لغة. وقد عملت زوجته وعلمت أطفاله اللغة الروسية، وأدارت أعماله، وتبرعت بعائدات كتابه المهم “أرخبيل القولاق” ـ أكثر كتبه انتشارا ـ لجمعيات ترعى المساجين السياسيين وعائلاتهم.
أثناء إقامته في المنفى لم يستسغ الحياة الأمريكية ولا ماديتها التي يراها متوحشة، قال في حفل التخرج في جامعة هارفرد ـ حيث منح شهادة تقديرية من الجامعة ـ عام 1978: إنها بلد غارق في مستنقع مادي بشع، وانتقد الموقف الحكومي الأمريكي والشعبي من حرب وتدمير فيتنام، وانتقد الإعلام الأمريكي المتعدي على خصوصيات الناس، ولم يكن راضيا عن أحد لا حكومة بلاده ولا الغرب ولا الليبراليين ولا المحافظين ولا العلمانيين ولا الرأسماليين، ولا مجتمع المستهلكين.
* موقفه من اليهود:
كان كارها لليهود، ولهذا حذر هنري كيسنجر الرئيس فورد من مقابلته في مذكرة سرية، وكان من المفترض أن يقابله، وعلل ذلك بأن مقابلته سوف تفسر على أنها إهانة للاتحاد السوفيتي، ولحلفاء أمريكا، ولعل السبب الحقيقي هو موقفه من اليهود، وكيسنجر من متعصبيهم، وقد استجاب فورد لرأي كيسنجر ولم يلتقيا.
كتب سولجنتسن لاحقا كتابا في مجلدين عن العلاقة الروسية بيهود روسيا، بعنوان: “مئتا عام معا” حيث اتهمهم بالجبن في الحرب والتملص من الخدمة العسكرية، ولم يبالغ في المؤامرة كما رأى نقاده، ولكنه اتهم بعضهم بإفساد القادة والثورة الروسية الأولى عام 1905 ثم الثانية عام 1917. وهذا الكتاب من نتاج اهتمامه وكتابته الكثيرة عن تاريخ روسيا، وما يراه من تصحيح الأخطاء الغربية تجاه تاريخ بلاده، وقد فسر موقفه من الاستبداد الروسي وسخطه على الغرب بعد معيشته فيه، بأنه كان بسبب ما يراه من الانحطاط الخلقي الغربي والإلحاد، و”اللا أدرية” وضعف الإرادة، أو منطلقا من خليط من نوازع دينية ضد المستبد، و بسبب الانهيار الروحي والأخلاقي الذي شهدته روسيا والغرب.
زعم سولجنتسن أن الثقافة الروسية مضطهدة من قبل ثقافة الأقليات، لأنه كان قوميا يؤمن بعلو الشعب الروسي على غيره، وتماسك مكوناته القومية والكنيسة الأرثوذكسية، وأن على الغرب أن يعتبرهما حلفا لا عدوا، وكان من نقده للماركسية أنها ثقافة عنيفة بذاتها، قبل عنف الممارسة، وأنها أقامت من العنف الثوري مالا يمكن مقارنته مع العهد القيصري، ولم يكن راضيا عن تطور الموقف الغربي من بلاده، في تطوراتها الأخيرة، فقد كان الكاتب منضويا تحت الموقف الروسي ـ خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ـ ضد المواقف الغربية، ومن ذلك موقفه من الصراع في صربيا وكوسفو، حين شبه الناتو بالنازية، وقال عن الدعاية الديمقراطية الغربية بعد ضرب صربيا: “الديمقراطية لا تساوي فلسا إذا غرست بالحراب”.
وله رأي عن الفرق بين الديكتاتورية الروسية والأمريكية وهو أن الأمريكيين مسيطر عليهم برضاهم ويقبلون الديكتاتورية باختيارهم، ويرى أن الغربيين يفتقدون للشجاعة والرجولة، ويخطئون حين يقيسون حضارات العالم بمقياسهم وبحسب أنموذجهم. وانتقد الحرفية القانونية التي تمنع صعود النبوغ الإنساني، فشنع به لاحقا بعض المثقفين الأمريكان و وصفوه بأنه كان متعجرفا ومتنفجا قوميا وعدوا لليهود. وينعى عليه الغربيون تصاعد الشعور القومي الروسي لديه بعد سقوط روسيا، مما جعله يثني على بوتين لمحاولته المحافظة على ما بقي أو استعادة أمجاد الوطن الذي انهارت أساطيره.
* عودته:
أعيدت له جنسيته عام 1990م بعد انهيار النظام الذي حاربه وعند عودته إلى بلاده عام 1994 أحبه الناس وأحسنوا استقباله، لكونه رمزا لمكافحة الاستبداد، وأظهرت أحد الاستبيانات رغبة الكثيرين أن يكون رئيسا لروسيا، ولكنه قابل ذلك ببرود. وحاول أن يشارك في الحركة السياسية والفكرية، فقدم عند عودته برنامجا تلفازيا لمدة خمس عشرة دقيقة مرتين في الأسبوع لمدة عام باسم: “لقاء مع سولجنتسن” ولم ينل البرنامج اهتماما فألغي بعد عام. وقد اهتم باستعادة مجد بلاده روسيا فكتب كتاب: “إعادة بناء روسيا”، وكتب: “روسيا في السقوط” وقبيل وفاته بدأ نشر مجموعة أعماله في 30 مجلدا، ويعمل ابنه في ترجمتها إلى الانجليزية.
وقد مات في4\م عن أكثر من 89 عاما، وسيذكر له العالم موقفه المشرف والصريح في عدم المشاركة في كذب الحكومة على الناس، وأكد على مسؤلية الكتاب في هزيمة الأكذوبة الرسمية.
إن المثقف في النهاية معبر عن موقف أخلاقي لنفسه ولمصالح أمته، ولسيادة الحرية والكرامة لبني الإنسان. وإن مصالح البشرية وسعادة الإنسان بأشد الحاجة للمواقف الأخلاقية للمثقفين، وأن يجعلوا من مواقفهم قوة تنقذ وتصلح وتحترم، ويوم يفقد المثقف القوة الأخلاقية، فلا يرقب احتراما من أحد.
من مراجع الورقة:
التخليص الذي نشر لحياته وأعماله في كتاب عن مؤسسة الأهرام، وما كتب عن نفسه من نصوص عديدة. وترجمته هو لنفسه، ومقالات عديدة نشرت في نعيه من أطولها ما كتبه: مايكل كوفمان وآخرون، في جريدة: نيويورك تايمز: “سولجنتسن عملاق الأدب الروسي الذي تحدى السوفيت” 4\8\2008م.
د. محمد بن حامد الأحمري
موقع مجلة العصر.
موريتانيا…انقلاب عسكري جديد
اغسطس 9, 2008موريتانيا…انقلاب عسكري جديد
موريتانيا الدولة العربية الوحيدة، التي فاز فيها الرئيس في انتخابات رئاسية، لم تكن نتائجها محسومة، ولم تتجاوز نسبة 50% إلا قليلا، دخلت مجددا دوامة الانقلابات العسكرية، بعيد إعلان الرئيس محمد ولد الشيخ إقالة الجنرالين محمد ولد عبد العزيز قائد الحرس الرئاسي، ومحمد ولد غزواني قائد الجيش، وكلاهما كان عضوا في المجلس العسكري الانتقالي، الذي قاد المرحلة الانتقالية الديمقراطية في موريتانيا من 2005 إلى 2007.
الضباط المتمردون أصدروا “البيان رقم واحد“، معلنين تشكيل “مجلس دولة“، برئاسة الجنرال “المقال” محمد ولد عبد العزيز، مؤكدين إلغاء قرارات “الرئيس السابق“. الانقلاب، وبغض النظر عن مبرراته ودوافعه، وجّه للتجربة الديمقراطية الموريتانية، التي شكلت سابقة مضيئة ـ في عالم عربي يفتقر للديمقراطية بل وحتى بعض جمهورياته سلك سبيل التوريث ـ طعنة قاصمة وضربة قاسية.
الانقلاب العسكري جاء بعد أزمة سياسية عصفت بالبلاد، لم تستطع الديمقراطية الناشئة حلها والتعامل معها، في بلد يئن تحت أزمات اقتصادية خانقة، وتتحكم في مفاصله المواريث القبلية والعلاقات والمصالح المتشابكة.
تشكلت الحكومة الموريتانية الأولى في عهد محمد الشيخ برئاسة زين ولد زيدان، المرشح الرئاسي في الجولة الأولى، والذي دعم الشيخ في جولة الانتخابات الثانية، كنوع من التسوية السياسية. بعد نحو عام، قدمت حكومة زيدان استقالتها بعد اتهامات لها بسوء التدبير.
تشكلت الحكومة الثانية بقيادة “يحيى الواقف“، لتضم تيارات متناقضة شملت معارضين إسلاميين ويساريين ورموز من عهد الرئيس المخلوع معاوية الطايع ممن اشتهروا بالفساد, في محاولة لتوسيع قاعدة الحكم. الحكومة الثانية بتلك التوليفة أشعلت نقاشات حادة في البرلمان والبلاد وتم التهديد بحجب الثقة عنها. وقد اتهم رئيس حزب الأغلبية البرلمانية الجيش بالإعداد “لانقلاب سياسي“، بحثه نواب الأغلبية على إعداد مذكرة لحجب الثقة عن الحكومة.
أما رئيس اتحاد قوى التقدم محمد مولود والمشارك في الحكومة فقد اتهم ضباطا في الجيش بالسعي إلى إذلال رئيس الجمهورية عبر مذكرة حجب الثقة عن الحكومة. الضغوط الكبيرة، اضطرت الرئيس الشيخ لإعادة تشكيل الحكومة من دون الإسلاميين واليساريين، غير أنه يمسك برئيسها “الواقف“.
بقيت أجواء الاحتقان وعدم الثقة سائدة في الوسط السياسي، وهدد الرئيس الموريتاني بحل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة. قبل يوم من الانقلاب العسكري، قدم 48 من نواب حزب العهد الوطني، الذي يشكل الغالبية النيابية في البرلمان، استقالتهم من عضوية الحزب.
معارضو الرئيس المخلوع يتهمونه بالفشل في إدارة البلاد وبالفساد والمحسوبية واستغلال السلطة. اتهام أعضاء مجلس الشيوخ لهيئة “ختو بنت البخاري” للأعمال الخيرية، التي تعود لعقيلة الرئيس، بالفساد واستغلال السلطة، مما حدا بزوجة الرئيس إلى التهجم اللاذع عليهم، الأمر الذي انعكس سلبا على صورة الرئيس ومكانته. أما مؤيدو الشيخ، فيقولوا إنه أراد أن يمارس حقوقه الرئاسية الكاملة، ورفضه لأن يكون دمية بيد الجيش أدى للانقلاب عليه.
موريتانيا دخلت مرحلة من الاضطراب السياسي، يتحمل جزءا كبير ا منها الرئيس المخلوع، الذي لم يستطع، مع الاعتراف بقصر فترة رئاسته، أن يقوي موقفه، بانجازات تنعكس إيجابا على حياة المواطن، وأراد القفز من غير تدرج على موازين القوى في مواجهة قوة العسكر المتجذرة، بالاستناد إلى شرعية صناديق الاقتراع، وإلى تجربة ديمقراطية غضة لم يشتد عودها بعد.
العسكر، الذين حازوا على إعجاب كبير لتحقيقهم وعودهم الديمقراطية من قبل، سيجدون من يدعمهم من السياسيين المتناطحين، غير أنهم أصابونا بخيبة كبيرة.
سهو الفكر ، هل تشعر أخي القارئ بما أشعر به؟
اغسطس 5, 2008سهو الفكر
صلى الوليد بن عقبة بالناس الفجر، فصلى أربعاً وكان ثملاً ، ثم التفت، وقال: أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة!
وقال الحطيئة:
|
شَــهِدَ الــحُطــــَيئَـــةُ حيـنَ يَلقى رَبَّهُ |
أَنَّ الـــوَليــــدَ أَحَــــــقُّ بِالـــعُـــــذرِ | |
|
نـــــادى وَقَـــد كَـــمـــُلَت صـــَلاتُهُمُ |
أَأَزيـــدُكُـــم ثَـــمـــِلاً وَمـــا يَــــدري | |
|
لِيــــَزيدَهُم خَــــيراً وَلــــَو قَبـــِلـــوا |
لَــقـــَرَنـــتَ بَـــينَ الشــَفعِ وَالـــوِتـرِ | |
|
فَــــأَبَوا أَبا وَهَـــبٍ وَلَـــــو فَـــعَــلوا |
زادَت صــــَلاتُهـــُمُ عَلى الــعَشــــرِ | |
|
كَــفـــّـــوا عِنـــانَكَ إِذ جَــــرَيتَ وَلَو |
خَلـــَّوا عِنــــانَكَ لَــــم تَزَل تَـــجري |
وصلى بنا المؤذن ذات يوم، فقام إلى خامسة، وقام الناس معه حتى إذا قضى شطراً من ركعته، تجرّأ رجل فسبّح ، فضجّ الناس بالتسبيح، فقعد وسجد للسهو، وسلم.
تساءلت: لماذا سكت الناس ، ثم سبّحوا جميعاً حين سمعوا الرجل يُسبّح؟ والسبب أنهم كانوا غير جازمين بالسهو.. بل هم يظنون أو يترددون أو يتساءلون.. حتى إذا سبح رجل جاء على ما في نفوسهم فشجعهم على التسبيح، لأنه كان جازماً، وعزيمته تعززت بموافقتهم له.
وربما سبّح رجل فسكت الناس ولم يسبحوا معه، لعدم ورود الظن عندهم، فسكت هو، ومضى الإمام في صلاته.
هذا في الصلاة وسهوها، ولعله يصح أن يقال في سهو الفكر والعمل نحو هذا، فإن الناس يكونون على رأي سائد، لا يجرؤون على مراجعته أو فحصه، يهرم عليه الكبير ، وينشأ عليه الصغير، فإذا تجرأ أحد ونقده، وكان لهذا النقد نصيب من النظر والصدق، وجدت من يقول له: سبحان الله، صدقني هذه الفكرة كانت عندي، ولكنني كنت متردداً في عرضها، متخوفاً من رفضها، متهيباً خجولاً، فلما سمعتها منك تعزز عندي صوابها.
وقد يقول أحد رأياً أو اجتهاداً فيمحوه الزمان, ولا يلتفت إليه أحد لعدم توفّر الأدلة عند السامعين على صحته، إما لعدم وجود الأدلة أصلاً، أو لعدم إطلاعهم عليها.
وهذا يفسر انتشار قول ما في زمان، وضموره في زمان آخر، فالعبرة بقادة الرأي والفكر متى كانوا متصفين بصفتين:
أولاهما: الرّيادة التي تقتضي عدم الركون إلى المألوف، وعدم الثورة على المألوف، بل الإلف ينبغي ألا يكون دافعاً إلى الرفض ولا إلى القبول بذاته في مجال الأفكار والآراء.
والتمرّد على المألوف لكونه مألوفاً هو منبوذ، كقبول المألوف لكونه مألوفا، كلنا يتأثر بالإلف، لكن علينا التيقظ لهذا التأثر وتقليل حدته سلباً أو إيجاباً.
الثانية: الجرأة في العرض والتغيير التي لا يعني الانقلاب الفوري، ولا تعني الذوبان، حتى إن بعض أهل الرأي والفكر قد يضعف إيمانه بفكرته أو يموت، لأنها ليست فكرة حيوية مؤثرة، وصاحبها يائس، لا يزيد على همس في أذن قريبة.. يتبعها تحذير..
حتى صدى الهمسات غشاه الوهن..
لا تنطقوا إن الجدار له أذن
أنبياء الله ورسله جاءوا بالبيّنات والزبر والكتاب المنير ، ودعو ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، وصبروا وتلطفوا، ولم يحملهم عنف المخالف على تجاوز ما أمروا به، ولا استفزّهم جلب الخصوم، وكان خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم الأسوة في ذلك في تحرير العقول وكشف الظلمات عنها، ورسم الإطار المحدد لأدائها، وقد قال له ربه: “وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ“[الأنعام-35-36] صدق الله العظيم.
د. سلمان بن فهد العودة
1/8/1429 —- 02/08/2008
المسيري سيبقى خالدًا
اغسطس 4, 2008
لم يكن يوم الخميس الثامن والعشرين من شهر جمادى الآخر يومًا عاديًا ، ولم يمر ولا ما بعده من الأيام كغيره من الأيام ، إنه لم تحدث تلك الهزة الأرضية التي استيقظ الناس على إثرها ، ولم تقم حربا كونية تأكل الأخضر واليابس ، ولكنها هزة من نوع آخر ، وللأسف أنني لا أستطيع أن أمثل هذا الحدث إلا بالتصوير المادي البحت والتشبيه بمثل هذه الأحداث لتقريب الصورة إلى عزيزي القارئ.
إننا معشر البشر لا زلنا غير واثقين من قوة الفكر والعقل والفهم ، بل نفكر بصورة غابوية بطريقة أيهما الأقوى ومن يملك عضلات أكبر ، إن صورتنا عندما كنا أطفال ونحن نتجادل مع أترابنا عن أيهما أفضل “سيارة أبي أم سيارة أبيك” لم تتغير عند من بلغوا سن الرشد وهم يستعرضون الصواريخ ويرد عليهم الجار باستعراض طائرة!!
هكذا للأسف يفكر بعض البشر الآن ، وضاعت القيم الإنسانية الفطرية السوية وساد مذهب ولغة القوة المادية على أصل التمييز الإنساني للإنسان ، حتى أن مقولة الملائكة في البشر لا زالت موجودة في حق بعضهم “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟” ولم يتعلموا ويسيروا في طريق والدهم “وعلم آدم الأسماء” لغة العلم والمعرفة والفهم والعقل.
بل وحتى كثير من المسلمين الذين يفترض منهم أن يكونوا الأمة التي تقود العالم وتصلح في الأرض لا زالوا على حالة الركون إلى الإرض والسلبية ، وكأنه لم تتنزل أول آية فيهم “اقرأ باسم ربك الذي خلق” ثم التأكيد عليها في نفس السورة “اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم“.
إن قيمة الإنسان الفعلية في هذا الكون ، هي التي جعلتني أقول أن ذاك الخميس يوم لا ينسى وينبغي ألا ينسى ، إنه في المقياس المادي البحت هو كارثة ينبغي تفاديها ، ولكننا كمؤمنين وفطرنا ينبغي أن تكون سوية ، فإننا نقول أنه حدث يحزن القلب ويدمع العين ، وهو طريق كل الناس سالكوه.
إن قوة هذا الحدث تكمن في نقطتين ، أولهما: هو قوة ما فقد ذلك اليوم. وثانيها: الحالة التي عليها العالم الإسلامي بحيث لا يعرف قيمة رموزه إلا بعد موتهم وأحيانا لا تعرف قيمتهم حتى بعد موتهم.
توفي المسيري رحمه الله بعد أن عاش حياة أبدع فيها أيما إبداع وعاش جادا يفكر في مشاكل الأمة وكيفية الخروج منها ، وهنا تكمن قيمة المفكر ، أنتج رصيدا علميا ضخما ، مما تفخر به المكتبة العربية والإسلامية بل وحتى المكتبة الأدبية العالمية. ولم يقف هنا رحمه الله بل نزل إلى الميدان مجاهدا بنفسه ضد الإستبداد والطغيان ، وما منعه مرض أو جاه أن ينزل مع البسطاء من الناس ، بل إنه التحم بجسده يوم التحمت الصفوف!!
إن المنصف يختلف مع المسيري أو يتفق معه ، لكنه أبدا لا ينكر أنه عاش حرا يقاتل بفكره وقلمه ولسانه من أجل عقيدته ، لم يكن المسيري اسطوانة تسجيل ردد ما يقوله السابقون وجمد عليه ، ولم يكن ذلك المجامل على حساب عقله واستقلاله ، كم تحتاج الأمة إلى أمثال المسيري ، أولئك الذين ليس يسري في دمائهم الجبن والخلود إلى الأرض بل تسامت نفوسهم إلى معالي القيم والأخلاق.
رحم الله المسيري وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة ، سيبقى خالدا ما دام فكر.


